الافتتاحيةسياسية

في انتظار الوافد الجديد..المبعوث الأممي إلى الصحراء

الوفد المغربي المشارك في المالئدة المستديرة حول الصحراء

حمادي الغاري

 يمكن القول أن استقالة هورست كوهلر ، المبعوث الشخصي من منصبه ل”دواع صحية”، فاجأت المتتبعين والمهتمين بهذا الموضوع ،لكنها ،ربما، لم تفاجأ الأطراف التي تُدير هذا الملف الشائك من بعيد ، وفي مقدمتها الدول العظمى ، وعلى الخصوص الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي .

وإذا كان المغرب قد أبدى أسفه البالغ لهذه الاستقالة ، فإنه عبّر في نفس الوقت عن أنه يتفهمها تماما ، خاصة أن كوهلر بذل جهودا مستمرة ومكثفة أرست أسس الزخم الجديد في العملية السياسية حول قضية الصحراء ، كما جاء في بلاغ وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربية الذي نوه بكوهلر إزاء الجهود التي بذلها منذ تعيينه في غشت 2017، وبالثبات والاستعداد والمهنية التي تحلى بها ( كوهلر) في تأديته لمهامه.

ومن المؤكد أن الرجل حقق ما لم يحققه المبعوثون  الأمميون السابقون في قضية النزاع حول الصحراء ، وذلك بفضل ما يتميز به كوهلر بواقعيته ورزانته واستقامته ..إلى جانب أنه أكثر المبعوثين الذين حظوا باحترام من الجميع : الأطراف المعنية مباشرة بالقضية ، والأمين العام للأمم المتحدة ، إلى جانب الدول الكبرى التي لها حق “الفيتو بمجلس الأمن الدولي ، وهي : أمريكا ، روسيا،  بريطانيا ، فرنسا والصين .. وهي خصال ساعدته في الدفع بهذا الملف نحو حل سياسي للمشكل : الحل المتوافَق عليه والمقبول لدى كل الأطراف ؛ وهي المغرب والجزائر وموريتان بالأساس ثم “البوليساريو” “الجبهة” التي خُلقت إثر ولادة غير طبيعية، ودُفِع بها دفعاً للمطالبة بانفصال الأقاليم الجنوبية عن وطنها المغرب وب “تقرير المصير والاستفتاء..” إلى آخر الأسطوانة التي لم تعد تجذب إلها أحدا، بقدر ما انْفضَّ من حولها الكثيرون.. وكل هذا على أمل إقامة جمهورية؛ عِلْما أن هذه الجبهة مدعمة ومدفوعة، ومُمَوَّلَة.. ومُمَوَّنَة ، من طرف النظام الجزائري لدواع سياسية واستراتيجية في المنطقة  لم تعد تخفى على أحد.

في هذا الصدد، يرى صبري الحو، الخبير في القانون الدولي وشؤون الصحراء ، أن الأسباب  الحقيقية والخفية المبررة لاستقالة كوهلر قد تكون ناتجة عن يقينه باستحالة الوصول إلى غاية  نتيجة توافقية في ملف الصحراء ، بسبب ما سمّاه بتناقضات الأطراف مع الخطة والحل الذي قد يكون مقتنعا به (كوهلر) واشتغل عليه. يعني بذلك “الحل الوسط ” ـ كما يقول الخبير المذكور ـ الذي يرمي إلى أن تبقى الصحراء تحت سيادة المغرب، في إطار يمزج بين التقسيم والحكم الذاتي.. وهو أمر لا يقبل به أحد..

أما السبب الثاني في استقالة ـ وربما إبعاد كوهلر عن الملف ـ فيكمن في الرؤية الأمريكية للملف التي تعرف تفاصيله بكل دقة، والتي يبدو أنها تريد حلا لهذا المشكل الذي عمّر كثيرا ؛ ولن يتأتّى لها ذلك إلا من خلال  تعيين مبعوث آخر ، يكون ، بالأوْلَوِيَة أمريكياً ومقرّبا من الإدارة الأمريكية للدفع إلى الحل السياسي المقبول ..ومن المؤكد أن هذا سيظهر بوضوح من خلال شخصية المبعوث الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة الخاص بالصحراء.

لكن هذا لا يعني أن واشنطن منفردة، وحدها، بإيجاد الحل أو الحلول القابلة للتنزيل والتطبيق، فهناك دول أخرى وازنة، وعلى وجه الخصوص الدول الأربع الباقية الدائمة العضوية ـ مع أمريكا ـ في مجلس الأمن الدولي؛ وهي روسيا، بريطانيا، فرنسا، والصين.. بحيث يفرض الأمر المزيد من التشاور والتنسيق والإقناع والتنازل. فلكل طرف نظرته ونظريته ومصالحه التي تلتقي وتتقاطع فيما بينهم، عِلماً أن كل طرف يعرف جيدا خبايا وخفايا الملف وأبعاده، والمنطقة المعنية بالنزاع…

بغض النظر عن استقالة أو إقالة أو إبعاد أو إقصاء كوهلر عن ملف الصحراء ،فإن الرجل كانت له الجرأة في جمع الأطراف مرتين ، وتم الاتفاق على الثالثة ،ولو شكليا، وفي جعل الجميع يقتنع بأن الحل السياسي العادل والتوافقي والواقعي والقابل للتطبيق .. هو الحل الممكن ؛ وليس هناك حلّ بهذه المواصفات غير المبادرة المغربية المتمثلة في الحُكم الذاتي التي ما فتئت تحظى بالتأييد  المتزايد داخل المنتظم الأفريقي والدولي .

من هنا، فإن السؤال المطروح: هل ستدفع الدول الدائمة في مجلس الأمن الدولي في اتجاه حل سياسي واقعي مُتوافق عليه.. من خلال تعيين الوافد الجديد الذي يمثل شخصيا الأمين العام للأمم المتحدة في قضية الصحراء.. وتكون له القدرة والدعم اللازم ، من طرف الدول العظمى ، للسير في هذا الاتجاه؟ فأيّ مبعوث يحظى بهذه المواصفات وبالرضا والقُبُول…؟؟

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى