سياسيةمقالات رأيوطنية

زعماء ومرشّحُون …سقطوا سهْواً

 

حمادي الغاري

سوابقٌ لافتة،مثيرة، مستفزة ومُهينة للرأي العام ،وللمغرب والمغاربة، تتمثل في ترشيح أفراد عائلة لانتخابات 2021. ليس المقصود ب”العائلات” المصطلح السياسي الذي كان يُطلق، زمناً، على زعامات أحزاب وطنية حقيقية كحزب الاستقلال،الشورى والاستقلال، الحركة الشعبية، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية ،منظمة العمل الديمقراطي الشعبي…(أقصد الزعامات الأولى من العيار الثقيل). وكان الغرض من إشاعة مصطلح “العائلة” وقتها ،لَمُّ شمْل الحزب وإظْهاره بُنيانا متراصّاً،وفي نفس الوقت إعطاء صورة على أن الحزب لا يمكن اختراقه أو تفتيته،كما حدث فيما بعد بدفْع زعامات غير مُقنعة في أكثر من حزب ونقابة وجمعية..إلى الواجهة.

 

سوابق لافتة لأن العين لا تُخطئها؛ولأن البصيرة تسبق البصر..؛

مثيرة.. لأنها جاءت في سياق يراهن فيه المغرب على أن تكون هذه الانتخابات محطة أساسية ليدخل رسميا، وبقوة، إلى نادي الدول الصاعدة؛

مستفزة.. لأنها المرة الأولى التي تخرج فيها هيئات بترشيح أبنائها وأزواجها وأقاربها..؛ وهناك استفزاز آخر يتمثل في إعادة ترشيح حزب “القوات الشعبية” أحد قادته القدامى ..جدّا..وكأن الحزب شاخ وهرم..وأصيب بالعُقم ؛ وكأن الحزب يفتقد لمرشحين..وهو الحزب ،ياحسرة ! الذي كان يَعجُّ بوجود أطر كبيرة ذات وزن وقيمة، من العيار الثقيل.. وكل الاحترام والتقدير للأستاذ عبد الواحد الراضي بموفور الصحة والعافية…الذي حبّذا لو ترفَّع ونأى بنفسه عن الترشح…ويكفيه فخرا أنه كان من الرعيل الأول الذين أسَّسُوا لأول تجربة ديمقراطية في بلدنا..

مُهينة.. لأنها المرة الأولى كذلك يَسْخر فيها أصحابها على الوطن والمواطنين؛ على المغرب والمغاربة..وحتى على الثقافة والإيديولوجية الحزبية، إذا كانت هناك إيديولوجية وثقافة ما تزال لهما رائحة أو طيْفٌ بين جدران وممرّات ومكاتب مقرات أحزابهم.

لقد حرص المغرب على أن يجمع عمليات انتخابية (الانتخابات الجماعية والجهوية والتشريعية) في توقيت واحد، وفي ظروف صعبة يتكالبُ فيها البعض عليه تكالُباً لا يخفَى طابعها العدواني ..قولا وفعلا.. وتحت أجواء وبائية كورونية صعبة وذات خطورة… ليخطو بهذه العمليات الانتخابية خطوتين إلى الوراء من أجل خطوات كبيرة إلى الأمام ،والقطْع مع سياسات الماضي، وسلوكات الماضي ،وتصرفات الماضي ،وأفكار الماضي..وحتى وجوه الماضي، والتوجُّه نحو المستقبل في إطار تضامن وتعبئة وطنية ذات روح توَّاقَة ـ حتى لا أقول ثورية ـ لاحتلال المكانة التي تليق بالمغرب والمغاربة. ولا أرى أن هذا فيه مبالغة، خاصة إذا استحضرنا الخطوات والمبادرات التي قامت بها المملكة، في السنوات الأخيرة، على أكثر من صعيد.. وكان وما زال من المفروض على الهيئات السياسية والنقابية والإعلامية والحقوقية الحقيقية، أن تُرافق هذه المجهودات بما أفاء الله عليها من فكر وتحليل واجتهاد وبصَرٍ وبصيرة، وليس فقط بخطابات “التأييد” الروتينية التي تكون سلبياتها أكثر وأخطر من إيجابياتها.

ما فائدة مثل هذا التأييد إذا كان يقوم على قاعدة “اذهب وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون”؟

ما فائدة تصريحات “زعماء” هيئات متعددة الأسماء والألوان،التي تعرضها قنوات التلفزيون ،بمختلف اللغات، في مختلف نشراتها.. بينما المطلوب منهم المشاركة الفعلية والجماعية المِعْطاء من أجل هذا المغرب الأمين والآمن؟

لكن، أين هم “الزعماء”؟ هل هناك حقيقة “زعماء”؟ أين هم؟ أغلبهم ،إن لم يكن كلّهم يتهافتون على كرسي زعامةِ قبيلته الحزبية أو النقابية أو الإعلامية أو الحقوقية أو الجمعوية ،وتقْوِية محيطهم بأذرع ميليشيات تفرض الأمر الواقع ،بديكتاتورية وليس بديمقراطية، تبدأ ،في افتتاح اللقاءات والمؤتمرات، بتلاوة آيات بيِّنات من الذِّكر الحكيم، وتنتهي بتبادل اللّكم والرفس والرّكل وتقوية الصفوف ب”الشيطان الرجيم” ..

هذه الأجواء هي التي أفرزت زعماء ـ سقطوا سهْواً ـ من فصيلة أخرى تبادر بترشيح نفسها،أوّلا، في الانتخابات ،ثم ترشّح الزوجة والأبناء والأقارب ، وما ملَكَت يمينك وشِمالك.. ولا همّ لهؤلاء الزعماء ،بعد الفوز، سوى التفاوض المرير مع أحزاب أخرى لتشكيل الحكومة ، قبل التفاوض الجهنمي والأكثر مرارة على الحقائب .. وكأننا في سوق يخضع للمساومات  والمزايدات، والبيع والشراء على قاعدة “الله يجعل الغفلة بين الْبايَع والشّاري” !!! مَن يبيع لمن ؟ ومَن يشتري مِمّن؟

الأدهى من هذا حين تجد الكثير من أعضاء الأحزاب يُسارعون بتقديم سِيَرهم الذاتية (CV) لزعيم الحزب من أجل الاستوزار ..وتحضرني هنا حكاية أحدهم استغل قُرْبه أو تقرُّبَه من الأمين العام الحزب الذي كُلّف بتشكيل الحكومة، على أساس تخصيص حقيبة وزارية له، وشرع في نشر إشاعة أنه مرشح لتولّي وزارة كذا..وأن حظوظه أوفر بعد أن وعَده زعيمه “خيرا”..كما بدأ في تغيير سلوكه وتعامله على أساس أنه وزير، ينتظر فقط التعيين الرسمي..!!! ولنتصوّر كيف سيتعامل هذا الشخص حين يصبح وزيرا..

أين الوطن ؟ أين المواطن؟

في هذه “السوق” يَغِيب الوطن ويغِيب معه المواطن؛ يُغَيَّب الوطن ومعه المواطن، و….تُسَدُّ الآفاق ..حين يكون هناك “زعماء” بدون آفاق..بدون مرجعيات،بدون أرضيات…بدون الْبِدُون…

(+) على الهامش

أليس من الأجدى والأنجع التنصيص على أنه لا يجوز لشخص، قضى ولايتين متتاليتين في المجالس الجماعية أو الجهوية أو التشريعية، الترشح لولاية ثالثة ..إذا كنا فعلا نريد تجديد النُّخَب…؟؟؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى