منوعات

من محنة ابن رشد إلى معاناة طلبتنا

يوسف الحراق

رُبّما تكونُ البدايات الحقيقية لظاهرة الامتحانات والشّواهد التعليمية، قد تمخّضت عن إحراق كتب ابن رشد، الفيلسوف المغربي، الذي عاش بالأندلس، في العصور الوسطى، حيث تعكس هذه الحادثة علامة فاصلة في صراع طويل ومرير بين “روافد العقل” و”روافض النقل”. تعرّض ابن رشد للتهميش بسبب آرائه العقلانية التي اصطدمت بالتيارات النقلية السائدة آنذاك؛ بينما انبثقت فُلولٌ من المتهافتين على تقزيم دور الفكر والمعرفة داخل أسوار المال وأسَاور السّياسة.
في عام 1808، ابتدعَ نابليون بونابرت الباكالوريا كوسيلة لتحسين نظام التعليم وتقديم وسيلة موحدة لقياس مستوى التحصيل العلمي للطلاب في نهاية المرحلة الثانوية. ولكن مع مرور الوقت، تحولت هذه الأداة إلى مصدر كبير للتعذيب النفسي والعاطفي لطلاب العلم، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على قياس الإبداع والابتكار الفكري.
لم يتغيّر شيء…

في عام 1998، اجتزتُ نفس امتحان البكالوريا، وكانت التجربة مشابهة تماما لِما يعيشه الطلاب اليوم: التركيز كان على الحفظ واسترجاع المعلومات، وليس على الابتكار أو التفكير النقدي. كان النظام يعتمد، بشكل كبير، على قياس القدرة على استرجاع أكبر قدر ممكن من المعلومات داخل الزّمن المُعلّب. لم يتغير شيء حتى بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن.

2024 : تجتاز، اليوم، ابنتي الكبرى نفس الامتحان، وما زالت نفس المعاناة، ومعها محنة ابن رشد، مستمرة. الطريقة نفسُها ترومُ تقييم الطلاب بمقاس الكمّ وليس الكيف، الحفظ وليس الابتكار. ويستمرّ شُهداء الحُلْم في التساقُط تباعا في غابة من الأشجار التي لا تثمرُ غير الخَواء. فحتّى المواد العلمية والتقنية، التي تستدعي التحليل والاستنباط، طالها نفسُ المنهج القائم على الوصول إلى النتائج عبر الطّرُق المُسطّرة مُسبقا في الكتب المقرّرة، أو في الوحي الرّقمي الذي لا تطالُه مقصّات الرّقابة _ ومَنْ لَغَا فَلَا نَجَاحَ لهُ..

أليس من العيب أن نستمر بنفس الأسلوب في تقييم الطلاب، بعد عشر سنوات من التحصيل، في ثلاثة أيام من الامتحانات حُسُوماً؛ فلا اعتبار للاختلافات الفردية بين الطلاب، ولا بين مشارب الذكاءات المختلفة لديهم؛ فالنظام الحالي يعتمدُ الأرقام والمعدلات كمؤشر وحيد على قدرة الطالب، متجاهلاً جوانب أخرى مهمة مثل التفكير النقدي، الابتكار، والمهارات الشخصية والاجتماعية.
لقد بات من الضروري إعادة النظر في هذا النظام وتحديثه بما يتماشى مع متطلبات العصر الحديث، فنحن بحاجة إلى أفراد يحملون “بورتفوليو” من الأفكار، وليس مجرد سير ذاتية تعج بالشواهد والإثباتات التي لا تعادلها المعرفة المتنوّرة النابعة من نظام تعليمي أكثر عدلاً وإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى