ثقافيةمقالات رأيوطنية

كلنا خائنون…!!! 

هناء مهدي

 تطأ قدماك تراب الوطن بعد توق وشوق.. في المطار، تجد في استقبالك رجالا من بلدك الحبيب.. تطلع في وجوههم شغفا.. فينحبس بين جفنيك النظر، تفتح عينيك كبيرتين، فتنقشع جلية أمامك الصور: عيون عبوس.. تحييها، فتلتهمك! تتمنى توّاً لو لم تفعل.. لو استرددت الكلمات قبل انفلاتها..لو بلعت مع الريق فانحبست… فهؤلاء  لايفهمون لغة قسماتك الباسمة، ولا شيفرا تحيتك الدخيلة! يبادلون لغتك الهادئة، بلغة نظراتهم القاسية؛ ويجيبون سؤلك بكلمات استهجان…تهمس في سرك أسفا:إنها السلطة الغول في وطني!
تحتاج إلى استخلاص أوراق إدارية، تلج باب الإدارة العمومية، هناك.. يستقبلك موظفون سُخِّرُوا لخدمتك؛ لكنهم.. يلبسون قناع السلطة المتعجرفة، الوجه المتجهم نفسه والنظرات الدُّونية إياها. للحظة.. تستفيق من غفوة حواسك، وقد نسيت هويتك، نسيت هوية الموظف من حولك. تذكر جيدا.. أنت الآن في وطنك.. وفي وطنك بالذات تستطيع أن تتحول إلى مشرع قانون بدريهمات جيبك! ستكسر قيد الطابور الذي يخنقك؛ ستقضي حاجتك قبل هؤلاء!  في وقت قياسي! لا تتردد إذن، افتح حقيبة نقودك، استل منها ورقة.. خضراء أو حمراء أو زرقاء حسب الطلب، ونوع الجالس على عرش الإدارة.. سيتحوَّل عندها وجْهُ الإداري العبوس إلى وجه جميل بشوش.. بقدرة قادر!
ستهمس في سرك قائلا: هي الإدارة العمومية في وطني!
تصيبك وعكة صحية.. تقصد أقرب مشفى بالجوار، تلتمس علاجا لِعِلَّتك.. بمجرد الدخول، يصيبك وابل من الأمراض النفسية.. دفعة واحدة. ترصد عيناك هناك ما لم يخطر لك على بال! مآس إنسانية يقشعر منها البدن! تتجلّد وتجلس وسط عامة الشعب؛ لِلحظةٍ تشعر بالغثيان .. تحس بمنتهى التهميش والإهمال! تتوتر أعصابك.. لاحيلة لك آنذاك لتنقذ نفسك من وطْء اللحظات القاسية.. لتجعلهم يستعملون “كوطا” الأعلاء.. وتجعلهم ينظرون إليك باحترام. لاسبيل.. إلا… جيبك السحري فبه تتحقق في هذا الوطن المعجزات!
قد قضيت مرادك. تبتسم وتضحك في نفسك ساخرا منهم ومنهن.. هكذا هم وهن.. في مستشفيات وطني.
تقع في ورطة أو مشكلة يستعصي عليك حلها، أحدهم اعتدى عليك، أو آخر منعك حقا أو سرق لك رزقا… كيف الخلاص واسترداد الحق.. أنت في بلد المؤسسات.. اطرق أبوابها…  التمس حقك الضائع.. محامون في المحاكم لمؤازرتك وقضاة ونيابة عامة.. جهاز قضائي رفيع المستوى حاضر بجنده لنصرتك. فَلْتفرحَنّ وقد وطأتْ قدميك حرم العدالة، ففيه نصرة المظلوم لامحالة. كل الدلائل والشهادات تشفع تظلمك. ستستوفي حقك  كاملا، وستطالب غرماءك بالتعويض… من أجل هذا…يجب أن تدفع أضعاف أضعاف أضعاف ما تطالب به وصبرا.. طويلا!
 ها وقد وصل ابنك سن التمدرس، تسجله في أقرب مدرسة عمومية.. كل سنة يزف إليك خبر نجاحه.. تفرح.. هاهو ابنك يكبر .. لاتفصله عن الجامعة إلا بضعة أشهر.. 
طوال هذه السنين كنت كلما دخلت غرفته وجدت وريقات صغيرة جدا مكتوبة بخط اليد أو منسوخة.. لم تعبأ بها يوما ولا فسَّرتَ سر وجودها! يكفيك فخرا أن ابنك يأتيك كل سنة بجواز سفر يشفع له تسلُّق أدراج التعليم درجاً تلو آخر.
تختبره يوما، فيفاجئك بأجوبته التي تكشف أن ابنك لم يحصل في السنوات الإثنى عشر  التي مرت إلا.. عصفا مأكولا!
تدخل المرافق العمومية في هذا الوطن يستقبلك الفساد مكشرا أنيابه.. أيّاً كان المرفق ، سمِّه ماشئت: إدارة عمومية، مدرسة ابتدائية،  مستشفى، محكمة، مؤسسة إعلام أو ولاية أمن..  كل امتهن التجارة في البشر!
 لا جهاز نظيف.. كلنا يبكي على ليلاه.. كلنا مشتك.. و كلنا مشتكَى منه.
 ..جميعنا الوحش ذو الأنياب!
 نحن ضحايا فساد نمارسه جميعا على بعضنا. متواطؤون على إقبار قيمنا النبيلة وأخلاقنا الأصيلة، وبدل أ ن نرقى للأفضل ونصلح مكامن الخلل، نبيع ضمائرنا لمن يدفع أكثر، نتاجر في الآخر و الآخر متاجر فينا..  وكلنا يرمي شرَر التُّهم،  ولا أحد فتح مرآته، ونظر بشاعته! 
كلنا مشتك فأين المفسد إن لم نكن نحن؟ كلنا يعاني من غش الصنعة، فليس الصانع الغشاش إلا نحن! نحن العامل اليدوي.. نحن التلميذ  والأستاذ، نحن الممرض والطبيب، نحن الشرطي والدركي، نحن المهندس والتقني ، ونحن الوزير  والبرلماني …  خائنون جميعا! مادمنا نعيث في أرضنا فسادا.
 أيها المواطن البئيس المهضوم الحق.. لاتبتأس لمصابك.. ولاتحقدنَّ على وطنك وأنت صانعه! انظر لنفسك أوّلا، ثم سائِلْها.. تُرى هل أنت مخلص؟ هل أنت مضح؟ هل أنت خادم أمين لوطنك؟ هل حاربت الفساد في نفسك؟هل زرعت زرعا نظيفا……؟
 لا توجه أصبع التهم للأعلى.. للسنابل الفاسدة التي تمارس عليك السلط؟ فأولئك مثلك جاؤوا من زرع فاسد! 
قبل أن تصدر تأوُّهاً وشكوى وجِّهْ نظراتك للأسفل.. للبذرة التي استنبتتها.. صالحة هي أم طالحة؟ فأنت من تربِّي من تزرع ..وستحصد زرعا يناسب درجة إخلاصك.
الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى