ثقافيةقضايا وحوادثوطنية

المرأة الأمازيغية الاستثنائية:كنزة الْأَوْرَبِيَة زوجة المولى إدريس مؤسِّسة أول دولة إسلامية في المغرب

مشهد لضريح ومسجد المولى ادريس الأكبر بمدينة زرهون
 إعداد: عبدالإله الوزاني التهامي
تعتبر علاقة الأمازيغ  بالعرب علاقة وطيدة ومتينة ومعقدة ،إلى درجة أنه يستحيل الحيلولة بين المكَوِّنَين أو التفريق بينهما أو حتى زرع العداوة بشكل من الأشكل في نفسية طرف من طرفيهما، بسبب ما انبنت عليه العلاقة التأسيسية من وشائج وأواصر ،مثلما هي علاقة الماء بالحليب أو الملوحة بماء البحر أو الأوكسجين في الهواء، علاقة أُسست على مبادئ الفطرة الآدمية في أعمق تجلياتها.
هذه العلاقة ستكون سببا في بناء دولة استثنائية في كل شيء على يد شخصين ينحدران أيضا من أصول استثنائية في كل شيء. إنهما مولاي إدريس الأكبر، سليل الدوحة الشريفة ،حفيد رسول البشرية صلى الله عليه وآله وسلم ، وللا كنزة بنت كبير القوم في ملة الأمازيغ الأصيلة العريقة.كان اللقاء للسبب المشهور الذي سيذكر هنا ، وكانت بداية تجذير أساس الدولة المتمدنة الشريفة العظيمة.
وكما هو مأثور، فقد احتلت المرأة الأمازيغية مكانة عظيمة في المجتمع المغربي، ودورا هاما في الحياة السياسية، حيث أشارت جل الدراسات الأنتروبولوجية والتاريخية إلى تقلّد النساء الأمازيغيات أدوارا سياسية بارزة،  على رأسهن الأميرة للا كنزة الْأَوْرَبِيَة ، التي لا تزال خالدة إلى يومنا هذا في الكتب والوثائق التاريخية المختلفة والعديدة.
تجلت الصورة الرمزية المشرقة  للأميرة للا كنزة الأوربية في حكمتها ورجاحة عقلها وحنكتها التي مكنتها من الحفاظ على كرسي الحكم لجنينها حتى سن الحادية عشرة سنة ، بعد مقتل زوجها المولى إدريس الأول، مؤسس أول دولة إسلامية بالغرب الإسلامي، مسموما على يد طبيب أُرسل من الجزيرة العربية خصيصا لتصفيته، باعتباره وارثا لسر نبوي عظيم.
الزمان هو نهاية القرن الثاني الهجري، عندما قدم المولى إدريس هاربا من بطش أبناء عمومته العباسيين، حاملا معه رسالة آل البيت لينشرها في المغرب الأقصى، التي ابتدأها من مدينة طنجة التي قال فيها كلمته وأوصل رسالته إلى عدد من القبائل الأمازيغية ،محققا بذلك نتائج إيجابية خاصة بعد التفاف عدة قبائل حوله ومبايعتهم إياه حبا في العترة النبوية الشريفة.
وبفعل الموقف الجماعي  المشرف الداعم للمولى إدريس من طرف قبائل الأمازيغ بالمنطقة كلها، خاصة من قبيلة أوربة التي اعتبرت أهم قبيلة وأشدها وأقواها في المغرب، ما يسر للمولى إدريس التوجه صوب وليلي ، القريبة، التي تمت بها مبايعته رسميا عام  172 هـ من طرف قبائل زناتة زواغة وغمارة ومكناسة وغيرها مما يتصل بالأمازيغ من أحواز.
وبفعل ذكاء ورجاحة عقل المولى إدريس وشجاعته، تمكن من تحقيق انتصارات على جبهات مادية ورمزية عدة في المنطقة، حيث فرض سيطرته في أقل من عامين على “تامسنا” و”تلمسان” و”تادلة” والأطلس المتوسط، ما جعله قائدا محنكا بامتياز يسود ويسوس المنطقة برمتها بحكمة بالغة.
  ولم تكتف أوربة، برمتها ،فقط بتقديم البيعة لهذا القائد الشاب، بل أكثر من ذلك قررت تعضيد وتقوية الروابط أكثر بالمصاهرة معه بتزويجه ابنة  زعيم القبيلة الأميرة للاكنزة الأوربية سنة 174 هـ بمهر حدد في 600 دينار حينها – حسب روايات –  احتفاء بالزوج الرمز المنحدر من الشجرة المباركة التي أضاءت العالم منذ بزوغ خير البرية.
فاض على الأميرة للاكنزة جمال دفاق وحياء ورجاحة عقل ودين، حيث كانت خير السند لزوجها الذي توفي شهيدا متسمما على يد آلة  الغدر التي تربصت به ونفذت في شخصه، خطّتها  بعد فترة قصيرة من زواجهما نتيجة تمدد سيطرته في المغرب، على يد مرسل ماكر، حيث اعتبر أمره مصدر تهديد لهارون الرشيد الذي أرسل إليه عبد الله بن جرير الذي لقب بـ “الشماخ” من أجل التحايل عليه بصفة طبيب جلب له عطرا يندر في بلاد المغرب ،شمه المولى إدريس  شمة واحدة بعدما صدق المدعي الماكر ثم أرداه شهيدا. وغاية الدولة العباسية أن القضاء على المولى إدريس سينهي نسل الأدارسة من المغرب، إلا أن الأميرة كنزة كانت حاملا حينها في شهورها الأولى، مما دفعها إلى البروز إلى الواجهة من أجل الحفاظ على حياة  جنينها الذي سيتولى الملك خلفا لأبيه الشهيد.
وحبا وشوقا في البذرة الطيبة الشريفة، انتظرت القبائل الأمازيغية، التي بايعت المولى إدريس عند قدومه،  تسعة أشهر لمعرفة جنس الوليد، الذي جاء ،لحكمة بالغة، ذكرا ليحافظ على ملك أبيه، ويكمل الرسالة التي بدأها هذا الأخير برعاية من والدته العظيمة. و بتحليها، بعد وفاة زوجها، بالقوة والشجاعة، استحضرت الأميرة للاكنزة  رجاحة عقلها من أجل الحفاظ على حقوق ولدها كاملة، حيث عملت على تدبير انتقال الحكم إلى إبنها إدريس الثاني ،وإعداده لتحمل عبء المسؤولية، إلا أنه وبعد مقتل والدها ورفيق زوجها، سارعت الأميرة الأوربية إلى أخذ البيعة من القبائل الأمازيغية التي نصبت المولى إدريس الثاني مكان والده تلقائيا وهو في سن إحدى عشرة سنة، عمر سيبدي الله فيه على الحاكم الطفل عجائب قدرته غير المسبوقة المثال.
وتحت العناية التربوية والتدبيرية للوالدة الحكيمة، سيترعرع المولى إدريس الثاني بإرشاد محكم، على إكمال رسالة والده إتمام بناء عاصمة دولته مدينة فاس، متجاوزا الحدود التي وصلها والده، مما جعله مصدر قلق وتهديد للدولة العباسية التي كانت تترصد خطاه لاغتياله، وبذلت قصارى جهودها لاستئصاله ولكن الله سلم. 
وبشكل مفاجئ، توفي المولى إدريس الثاني عام 213 هـ وقد بلغ من العمر  ستة وثلاثين36 سنة فقط، مما دفع بوالدته الأميرة للاكنزة إلى الإشارة لحفيدها البكر بتعيين إخوته  عمّالا على المناطق التي تسودها دولة ابنها حفاظا على حدودها المترامية الأطراف. ولعل  الوثائق التاريخية الشاهدة على الدور الكبير الذي لعبته الأميرة للا كنزة الأوربية في إقامة أول دولة إسلامية بالمغرب الأقصى، جعلتها من أعظم النساء في “التاريخ المغربي” عموما وقبيلتها الأمازيغية خصوصا ،بل أعظم امرأة في العالمين الإسلامي والإنساني، أعظم امرأة في تهييئ حاكم وبناء شخصيته، وفي تدبير شؤون الحكم في مرحلة انتقالية بالغة الخطورة والدقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى