دوليةسياسيةمقالات رأي

أمريكا تسقط القناع وتشهر بشاعتها للعالم!

هناء مهدي

لايتناطح كبشان في كون أمريكا هي التي تقود العالم؛ فمنذ نهاية الحرب الباردة، وميزان القوى العالمي لصالحها؛ وبسقوط الخصم السوفياتي، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية، المهيمن الوحيد على النظام الدولي. ولأنها حرصت أن يكون مقر مجلس الأمن على أراضيها، استطاعت التحكم والسيطرة على القرارات الدولية؛ وتحت مظلة حفظ السلم والأمن والشرعية الدولية وشعارات حقوق الإنسان، تمكنت من خيوط اللعبة السياسية العالمية، وتربعت عرش العالم، وجلس رؤساء أمريكا ،ووزارء خارجيتها المتعاقبون ،على منبر الخطابة العالمي، ليعطونا، في كل مناسبة وحين، دروسا ومواعظ تذكِّر أن تأشيرة الدخول تحت الجناح الأمريكي هي رديف للالتزام بالشرعية، (بمنظارها)، وتنفيذ ما تمليه الاستراتيجية السياسية والمصالح الأمريكية والإسرائيلية. وعلى هذا النهج ، سُنّت دساتير، ووُضِعت قوانين، ورُصِد الواجب والممنوع والمباح والمحظور، وما أُدخل في خانة الإرهاب.

لكن الدولة الأكثر ترديدا لِلاَزمة حقوق الإنسان في سياستها الخارجية، والأكثر تنديدا بالخروقات، وحرصا على الشرعية الدولية، هي بلغة الأرقام، الدولة الأخطر التي انتهكت وتنتهك الحقوق الإنسانية، وكل ماتردده على وسائل الإعلام العالمية، ما هو إلا قناع “اليانكي” الذي يخفي غريزة السيطرة، والنزعة التوسعية، والطبيعة العنصرية.. كيف لا وهي دولة  بُنيت على أشلاء الهنود الحمر، بعدما أبادت 95 في المائة من السكان الأصليين (نحو 300 مليون). ومنذ الحرب العالمية ومسلسل الجرائم الأمريكية ضد الإنسانية لم ينته بعد .

يقول  المفكر الأمريكي ناعوم شومسكي : “من وجهة النظر القانونية، هناك ما يكفي من الأدلة لاتهام كل الرؤساء الأمريكيين ،منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بأنهم مجرمو حرب ، أو على الأقل متورطون بدرجة كبيرة في جرائم حرب”.

تاريخ حافل بالحروب وإراقة الدماء

يبدأ تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1783، وهو ما يعني أن تاريخها لم يتجاوز237 سنة منذ استقلالها إلى الآن. وعلى قصر عمرها، فسجلها حافل بالحروب وإراقة الدماء، لا جرم أن تحصد الصدارة في عدد ووحشية الحروب التي خاضتها، وهو ما يشفع لها أن تدخل كتاب “غينس” للأرقام القياسية. وتوضح الأرقام المتداولة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت وراء أكثر من 75حرباً وتدخلاً عسكرياً أو دعماً انقلابيا. وحسب نفس الأرقام، فإن 93 بالمئة من عمر أمريكا حروب شنتها على دول العالم.

تواطؤ إعلامي

بالرغم من أن الجرائم الأمريكية بحق الدول والشعوب، يعرفها القاصي والداني ،فإن الإعلام الغربي ظل متواطئا ولم يوجه اتهاما للحليف المنقذ، وإن كان الإعلام الأمريكي اليوم خذل الرئيس ترامب ،وشهر مشاهد عنصرية للرجل الأبيض، _بعد جريمة القتل البشعة التي تعرض لها المواطن الأمريكي الأسود، جورج فلويد_ فإن تلك المشاهد ،التي نقلتها الكاميرات الأمريكية، لاتكشف حجم وفظاعة وحقيقة أمريكا، ولا ترصد ماعاناه العالم من ويلاتها، ووابل الحروب والفتن التي مزقت خريطتنا العربية وأمتنا الإسلامية. وليس غريبا على سياسة أمريكا ،التي تأسست على الدماء ،والعنصرية، والعنف ، واغتصاب الحقوق الإنسانية، والتضييق على الحريات، أن تقتل الأبرياء وتدمر الدول، وتثير الفتن ،وتنهب الثروات، وترمي بشرر التهم مَن لايحتمي تحت مظلتها.

تسيطر أمريكا على العالم أيضا، عبر هيمنتها على وسائل الإعلام العالمية التي تختصر عليها الكثير من المعارك العسكرية، وعبرها تتحكم في وجهة نظر الشعوب، وتنشر “البروبغاندا” والأكاذيب، والدعايات التي تؤثر سلبا على نفسية وعقلية الشعوب؛ كما تتحكم في خيوط اللعبة السياسة والعلاقات الدولية عبر استراتيجية ترتكز أساسا على إثارة الشقاق والتناحر، وإذكاء الفتن والنعرات، وتشعل فتيل الحروب بين الدول الشقيقة من أجل كسر كل تقارب أو وحدة، وتزرع الضغينة والحقد والكراهية، سعيا لترويج أسلحتها، وإضعاف الدول تمهيدا للسيطرة على ثرواتها.

ما يقع في أمريكا اليوم من انتفاضة شعبية يمحي ما بالعيون من عشى، وتجلي صورا شابتها الضبابية؛ ترصد الوجه المكشوف لدولة استعملت الأقنعة، وادّعت الديموقراطية، وأنها الراعي الأمين لحقوق الإنسان، والحريص على السلام والأمن. إنها موجة الغضب ضد سياسة الرجل الشفاف دونالد ترامب، وهو الذي كشف النوايا الأمريكية وأزاح قناع العم سام، وأجهر بما كان ينسج تحت أقبية البيت الأبيض، وفضح الخونة العرب، وأطلعنا على سر البقرة الحلوب، وأين تذهب أموال الحج والعمرة، وثروات بلاد المسلمين، وعرى الخليل الإماراتي حامي حمى بني صهيون، وكأن القدر شاء أن يبعث للعالم دونالد ترامب رسول الحقيقة.

أمريكا دولة لا تلتزم بالقوانين والمعاهدات ولاتحترم الشرعية الدولية

إذا سلمنا ،جدلا، أن أمريكا هي راعية الحقوق الإنسانية والحريات العالمية، وهي حارس السلم والأمن الدوليين، وهي تملك آلية الرقابة وتضبط مدى الانصياع للقوانين والمعاهدات والالتزام بالشرعية الدولية، وتحاسب وتعاقب الدول المتمردة على الشرعية، فإن الوقائع تكشف بالملموس، أن أمريكا تزن العالم بميزان لاتؤمن به، وأنها دولة لاتلتزم بالقوانين والمعاهدات ولا بقرارات مجلس الأمن. والأدهى من كل هذا أنها لاتعترف بقوانين تقاضي العالم بمضامينها. ترفض الولايات المتحدة التصديق على عدة اتفاقيات أساسية لحقوق الإنسان، وقد كانت من الدول المتأخرة في إدانة الميز العنصري وقبول بعض الحقوق المدنية.

ولم تصادق على اتفاقة سيداو (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة) بحجة الخصوصية الأمريكية، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تعارض ميثاق حقوق الطفل؛ كما أنها لم تصادق لحد الآن على العهد الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، دون أن نغفل مواقفها المتصلبة من اتفاقيات حماية البيئة، وانسحابها من اتفاقية باريس للمناخ؛  ولا يمكن أن ننسى كيف انسحبت من اليونسكو بعدما تمكن الفلسطينيون من الحصول على عضوية كاملة في المنظمة، وامتناعها مؤخرا عن الوفاء بالتزاماتها لمنظمة الصحة العالمية. أما سجل الخروقات والجرائم الأمريكية، فحدث ولا حرج، سواء ما ارتكبته في أفغانستان وفي العراق، وجرائم التعذيب وبناء سجون سرية خارج السيطرة  والمراقبة،وانتهاك الكرامة الإنسانية في غوانتانامو…واللائحة لاتنتهي.

بعدما تربعت عرش القوة والمجد، هاهي أمريكا اليوم بدأت في الاحتضار، وستصبح أثرا بعد عين في قريب الأيام، سيشهد المسرح الدولي أفول نجمها، وستتبدل خريطة العالم بعد الجائحة. وحسب محللين، فبعد أزمة كورونا، سيتشكل نظام جديد يعرف بالنظام الدولي الإنساني، ولن يكون نظامًا دوليًا ذا قطب واحد، وستحتل الصين ومجموعة شرق آسيا، مكانة كبيرة في النظام الدولي على حساب أمريكا والاتحاد الأوروبي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى