ثقافيةدولية

آيا_صوفيا.. بين العثمنة والمرجعية

سيف الدين رحماني

مهما يكن، سيكتب التاريخ أن الخليفة أردوغان هو ثاني زعيم بعد محمد الفاتح يعيد فتح أكبر كنيسة في الشرق -آيا صوفيا- قبة المسيحين وحاضرة الأرثودكس، أضحت ورب السماء مسجدا، وهذا بعد قرار أتاتورك تحويله لمتحف سنة 1934م.
فهنيئا لكل مسلمي العالم، والتعازي للمنافقين والوصوليين لبياض حضرة علج بني الاصفر الذين يتملَّقون كل الأديان ويحاربون الإسلام.

هل هي عملية محصت في مخابر بني عثمان لإبراز المرجعية الدينية نكاية في الغرب المسيحي أم إعادةصرح الامبراطورية العثمانية الغابرة؟ أم هي نية المجدد الديني صاحب القوامة السياسية مطلع القرن الواحد و العشرين؟

أيا ما تكن الأسباب والذرائع، فالشأن شأن تركيا خاصة، والمسلمين عامة…

حز في نفسي بؤس ما تفوه به المخالفون والمغرضون من تراهات و تخريفات موجهة لمن يدافع على بيضة الإسلام وعيبة المسلمين، متأسفين غاية الأسف على أفول الصرح المسيحي و بروز طيف الاسلام في معلم هو من أعرق المعالم التاريخية على مر الزمن، و كأنهم إذ تكلموا لبسوا عباءة التحسر و القنوط لرفع الآذان، تحسبهم وكلاء الأرثوذكس أو عرابين للفاتيكان او الرعاة الرسميين لحوار الأديان في العالم، هم أنفسهم لم ينبتوا ببنت شفة، أيام استباحة مقدسات المسلمين و انتهاك معالمهم، فإذا تكلمنا عن الضاحية الغربية الاوروبية،  تحول مسجد قرطبة الى كاتدرائية مسيحية، وكثير من المعالم و الصروح في الاندلس، وصقلية شهدت العملية نفسها. هؤلاء هنا تراهم صما بكما عميا، لم نر لهم أثرا ولم نسمع لهم خبرا، ديدنهم رضى ولي أمرهم علج بني الاصفر، اذ لابد من إرضائه بأي ثمن و إن كان الثمن بيع الآذان، فالاذعان و التكلان لحامي حمى الصلبان في كل مكان و زمان.

ليس مبالغة إذا قلنا ان مسلمي أوروبا الشرقية و شبه جزيرة القرم و حياض أوراسيا وأدغال افريقيا و سهول الصين، اليوم أغلبهم من حسنات الفاتح و القانوني وغيرهم من سلاطين الاتراك.

أذكر ما حدثني به دكتورنا الموقر زكريا مقيدش حفظه الله عن قصة لسليمان القانوني مع ملك فرنسا فيليب أيام سجنه من طرف ملك اسبانيا، فوقر في نفسي التنقيب عنها؛

فبعد هزيمة «فرانسوا الأول» في منطقة تسمى «بافيا» في 25 فبراير/شباط 1525م، ووقوعه أسيرًا في يد «كارل الخامس» وحبسه في «مدريد»، كتبت والدة «فرانسوا الأول» والوصية على العرش دوقة «آنجوليهم لويز دى سافوا» خطابًا موجها إلى السلطان سليمان، تستعطفه لانقاذ ولدها، ثم أرسل فرانسوا الأول شخصيًا خطابًا إلى السلطان مع خطاب والدته الذي جاء فيه:

” إلى حضرة حاكم وسلطان البلاد والممالك من أنحاء العالم المعمورة، السلطان المعظم والخاقان المفخم الذي هو ملاذ جميع المظلومين، أعرض على حضرتكم ما في القلب وهو: عندما هاجمتم فرديناند الأول ملك المجر نجونا من السجن بفضلكم، وعندما هاجمتم شارلكان ملك إسبانيا ثأرنا منه وانتقمنا، أنت ملك الملوك جليل الشان، فأنا أسير فضلك من اليوم فصاعدًا؛ أي منذ تكرمك بالانتقام منه وهزيمته.”

فكتب السلطان سليمان رسالة إلى ملك فرنسا فرانسوا الأول يقول فيها:

الله العلي المعطي المغني المعين، بعناية حضرة عزة الله جلت قدرته وعلت كلمته، وبمعجزات سيد زمرة الأنبياء وقدوة فرقة الأصفياء محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم الكثيرة البركات، وبمؤازرة قدس أرواح حماية الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وجميع أولياء الله، أنا سلطان السلاطين وبرهان الخواقين متوج الملوك ظل الله في الأرضين، سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر والأناضول والروملي وقرمان الروم وولاية ذي القدريه وديار بكر وكردستان وأذربيجان ودمشق وحلب ومصر ومكه والمدينة والقدس وجميع ديار العرب واليمن، وإن هذه الأراضي الشاسعة قد فتحها آبائي الكرام وأجدادي العظام بقوتهم القاهرة رحمهم الله، وكم من البلاد افتتحتها بسيفي الظافر المنصور. من السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان إلى فرانسيس ملك ولاية فرنسا.. و كل هذه تخلية يعرض فيها بعزة الاسلام .. إلى أن يصل إلى جوابه قائلا.. وكل ما قلتموه عرض على أعتاب سرير سدتنا الملوكانية وأحاط به علمي الشريف على وجه التفصيل فصار بتمامه معلومًا.. فكن منشرح الصدر ولا تكن مشغول الخاطر.. وخيولنا ليلًا ونهارًا مسروجة وسيوفنا مسلولة….”

و كانت هذه الرسالة المحفوظة ضمن أرشيف الدولة العثمانية هدية أهداها أردوغان إلى ساركوزي يؤدبه فيها و يذكره بفضل بلاده تركيا على فرنسا. فشتان بين العلج و الفحل.

لا شك أن المجدد أردوغان هو من حسنات سليمان القانوني، قوم أشربوا النخوة و هم أجنة في بطون امهاتهم، و ارتشفوا حليب العزة أيام رضاعهم ففطموا على السؤدد والوقار.

لا شك هذا الرجل فريد عصره بلا منازع، قائد يغار على بلاده و يحب رعيته.

أردوغان أحدث نهضة حضارية و ثورة فكرية ثانية في تركيا على كل الأصعدة فبعد أن طوى النسيان صفحاتها في أواخر القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين إلى غاية نهايته، تعود رافعة راية الظهور و البروز والمنافسة بوتيرة متسارعة شابهت المانيا نفسها في عشرينيات القرن الماضي أيام تحطيم جدار برلين 1991و كأنه سيناريو النهضة والتطور نفسه تكرره تركيا.

تركيا الآن أضحت وحدة سياسة ذات سمعة دولية، فرضت احترامها بالقوة و أضحى لها ثقل دولي يسمع صوته في المحافل الدولية ويعمل لها ألف حساب و حساب.

تركيا الآن في مصاف الدول المصنعة للعتاد العسكري التقني و الثقيل، تحتل المراتب الأولى في طب العيون السياحي التفوق العلمي الاقتصادي بارز للقريب والبعيد، كل هذا و أكثر أكسبها شخصية سياسية لدولة مرموقة أضحت وجهة مقصودة و قبلة مرغوبة يتوافد إليها من كل اصقاع العالم, خلفية تاريخية، سمعة و احترام عالمي. ماذا تريد فوق كل هذا؟

الرجل تراه ينجز و يحقق و كأنه يعود بنا إلى أيام عزه و مجده في خيام أجداده, يدكدك الاجناد ويفتح الفتوح و يثني عطف الكافرين في موهاكس وغيرها و ما على الخراف (خرافنا) الا الصياح… و النعيق المزعج المضجر اتباع كل ناعق, فشتان بين السيف والعصا.

و كأني أرى أبا جهل الذي حسد النبي و آل هاشم على الرسالة والنبوة و ما اتاه الله من شرف النسب و النبوة ….تتكرر هذه النفسية الضحلة المريضة الآن و بالضبط من عجول الخليج تراهم كأنهم يحسدون الأتراك الفاتحين على ما آتاهم الله من ذود عن حمى المسلمين و دفاعهم عن بيضة الإسلام تحت قبة العثمانيين. و ليس من المتناحرين هؤلاء سوى الغدر و الخيانة و الطعن في الظهر على عادتهم كما نعلم كلنا.

طيف الحضارة الآفل:

الرجل يريد إرجاع عزة الامبراطورية العثمانية أيام الفاتح و القانوني كغيره من طالبي مجد الحضارات الغابرة ….و هو مطلب مشروع.

فكل بلد يسعى جاهدا لإعادة طيف حضارته الآفل في الماضي، إذا عرجنا نحو الشرق ترى الصين و قفزتها المكوكية في مطلع الالفية الثانية.. تحاول بذالك إرجاع مجد الامبراطورية الكونفوشيوسة، تلاحقها الهند مؤخرا كقوة اقليمية منافسة مستجلبة ذكرى الحضارة الهندية، تتجه شمالا تجد روسيا وبروزها الاقليمي والدولي العشرية الاخيرة، من خلال ترميم البيت الداخلي مع بوتين والتدخلات العسكرية في كل من سوريا وليبيا و قبلهما في شبه جزيرة القرم و اوكرانيا محاولا بذلك إعادة حبل السيطرة الشيوعية ايام لينين و ستالين و المجد السوفياتي.. ناتي الى فرنسا الطفيلية التي تقفز من واد إلى واد محاولة إيجاد ثغرة تسمح لها بتذكر أيام شارل مارتل و امبراطورية الفرنجة الغابرة.
إقليميا في الشرق الاوسط تجد ايران التي اصبحت غصة في حلق كل من اوروبا وامريكا محاولة فرض نفسها في الشرق الاوسط مستحضرة مجد الامبراطورية الفارسية حتى اصبحت هي و تركيا كفرسي رهان لهما نفس الطموح, ايهما يحوز السيطرة في المنطقة ويرجع مجد الاباء الغابر.

وليس ببعيد عنها نجد الكيان الصهيوني من خلال عملية تحوير التاريخ و تزوير الحقائق ترى الصهاينة، يتذكرون ايام اليهود في عز النبي سليمان بن داوود عليهما السلام ومملكةاليهود.

و الغريب ان الكل يعمل لاحقاق هذه الاحلام والامال الشرعية, اعادة نجم حضارة غبر مهمة كل قائد بعيد النظر متقد رفيع النفسية والطموح.
اما خرافنا ياليتهم تذكروا ان اسلافهم كانوا اسودا تخضع لهم كل الكائنات,،عجول شبه الجزيرة العربية منشغلون باعادة بطونهم وقطع الطرق على جيرانهم و الكيل بمكيال الخداع لاخوانهم

بل على العكس تراهم يقدحون في دولة اسلامية حكمت باسم الاسلام فاعلت رايته وفتحت الفتوح فوسعت رقعة.
نعم الاتراك العثمانيون قوم يغارون على الاسلام متادبون مع الله يبجلون اسمه ويحبون رسوله حد الثمالة متيمون به يعظمون مصحفه اكثر من العرب اهل الحجاز الهمج الرعاع اتباع كل ناعق.

تذكرت فيما انتهى اليه نظري لفتة طريفة
كان السلطان العثماني في زمانه اذا اراد ان يخرج من غرفة قصره لقضاء غرض ما …لا يخرج مستدبرا المصحف بظهره بل يخرج موجها وجهه للمصحف الشريف مطاطا راسه خارجا يمشي مشية الهوينا.

و نعلم مدى احترامهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولقبره من خلال الخبر الذي ثبت ان
السلطان عبد الحميد رحمه الله لما كملت سكة حديد الحجاز ، أصدر تعليماتٍ لقائد القطار الذاهب إلى هناك أن يُسكِتَ الصوتَ المنبعث منه ، ما إن يقترب من المدينة المنورة ، مخافة أن يزعج الرسول صلى الله عليه وسلم في جدثه إجلالاً له وتوقيراً ، انطلاقاً من قوله سبحانه في سورة الحجرات : (يا أيها الذين آمنوا لا ترفَعُوا أصواتَكم فوق صوت النبيّ) والتزاماً بتوجيهه تعالى أن لا يصدر عن المسلم ما يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم من صوت أو غيره ، حتى وهو ميت كما قال العلماء.

هي كما قال القائل: 

أخباره تنبيك عن آثاره ** حتى كانك بالعيان تراه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى