أدبيات

لقاء

قصة قصيرة

حسن البقالي

مثلما لا تقبل الطبيعة الفراغ، هي لا تقبل الفائض عن الحاجة.
لذلك، مع الانتشار الكاسح للهواتف النقالة، بماركاتها وأجيالها المتنوعة، كان لا بد أن تموت الهواتف الثابتة التي ظلت لفترة سابقة تؤثث الطرقات والمباني.


هكذا لم يعد للهاتف الثابت بقاعدته العمودية المنتصبة على الرصيف المقابل لغرفتي من معنى، بسماعته المقتلعة وملامس الأرقام الحائلة المبتلاة بالعقم. بات موجودا فقط، يعلن عن حضور غير ضروري وغير مبرر، كحشو فادح.. ذكرى هائمة منذورة للنسيان.
حتى رآه..
كان مارا بشعره الأغبر المنكوش وأسماله، وسنين عمره الثلاثين التي تختزل سيرة انكسارات متتالية، وضياع الشاب المختل
الذي يذرع الطرقات جيئة وذهابا، يضحك للريح وذباب الأرض، وجد نفسه فجأة ينحرف عن مساره المعتاد، ليقف وجها لوجه أمام الهاتف المعطل.

– ياه.. أنت هنا يا حبيبي
وحضنه
دار حواليه دورات بدون عد، ربت على ملامس الحروف، واسى موضع السماعة ولثم الأطراف، ثم قرفص في ذلة العاشق المدنف يطلب الرضا.
رآه الهاتف المعطل أيضا..
رأى لهفته ونقاء السريرة، فسلم له نفسه دون شرط.. سلم مفاتيح المكالمات السابقة بما تحمله من ضجيج ومن أسرار وجراح وأحلام ودسائس..

قال له:
– كنت أنتظرك بعد أن جفاني الكل
فأجاب مبتهجا:
– وكنت أبحث عنك بعد أن جفوت الكل
– أنت هنا الآن.. لا بؤس بعد اليوم
وضحكا..
ضحكا من السعادة، من انتشاء الذات بالآخر، وتعاهدا على الوفاء.
لقد التقيا
ولم يعد بالإمكان أن يفرق بينهما أحد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى