ثقافيةقضايا وحوادثمقالات رأي

من المالثوسية والداروينية والهتلرية إلى كورونا التاجية ..مسلسل رهيب لإفناء الضعفاء

 
بقلم سيف الدين رحماني(+)
لاتظن نفسك ساذجا، إن جال في خلدك خيوط الفكرة الوحشية التي مفادها أن هذا الفيروس و توابعه  ولواحقه،  هو مؤامرة و تدبيرة لمحاولة إفناء ثلة من سكان العالم. بمعنى أنها  مؤامرة طبخت في المخابر الغربية الشيطانية للفتك بمن قُدِّر لهم الهلاك. أما جذور هذا الفكر الملوث الوسخ، فليست وليدة القرن الحادي والعشرين، بل قبله بقرن. كانت ساحة الإجرام طافحة بالكوارث وحدث ما هو أفظع وأشنع …وسنأتي إلى عرض هذا بعد تمهيد لأرباب هذه الإرهاصات و الفاعلين في بردايم الانقراض البشري.
الداروينية، الهتلرية، النازية و المالثوسية ،كلها كانت و لا تزال الحلقات السوداء في سلسة جرائم فوق قومية، عرقية، بالأحرى تمييزية عنصرية. كلها قابعة في قفص الاتهام لما هو معاش في القرن الحاضر وقبله بسنين معدودة. النزعة البربرية، الميلان الوحشي و النظرة الاستعلائية الاستئسادية، جنت علينا أنهار الدم، ساحات الحرب و جرائم القتل و الجزر كلها تبعات لمنابع مختلفة النشاط، موحدة الانتماء؛ وللعلم كل هذه لها راوبط تأثرية عكست نتائج على الأخرى.
يقول البعض أن مصدر إلهام الداروينية، و على رأسهم كبيرهم “داروين”، تمثل في كتاب رجل الدين، الاقتصادي البريطاني المختص في الديموغرافيا و علم الاقتصاد التطوري “توماس مالثوس”  المتوفى عام 1834م الذي يحمل عنوان : “مقال حول مبداأ السكان” منشور عام 1798م.  إذ قدر “مالثوس” فيه أن سكان العالم إذا تركوا و شأنهم سيزيدون زيادة سريعة لا نستطيع السيطرة عليها، فهو صاحب “الكارثة المالتوسية” أو ” المصيدة المالتوسية”، يعتبر هذا المحتكر لحق العيش فوق الأرض، أن عدد السكان يزيد وفق متتالية هندسية بينما يزيد الإنتاج الزراعي وفق متتالية حسابية، مما يؤدي حتما إلى نقص الغذاء و السكن. ومنه رأى هذا الخبير أن المؤثرات الرئيسة التي سيطرت على عدد السكان و ساهمت في إفنائهم، هي الكوارث، مثل الحروب، المجاعات والأمراض.. ووفقا لهذا الزعم الوحشي كان لابد أن يموت بعض الناس كي يعيش البعض الآخر ويصبح البقاء إذن يعني ” الحرب الدائمة”. نقول فعلا إذا كان الأمر يتم بصفة طبيعية، أعني الموت، فأهلا وسهلا، أما بفعل فاعل و تدبير شيطان إنسي، فهنا ندخل في قانون غاب غير منظم.
تزامنيا، أصبحت وجهات نظر “مالتوس” مؤثرة و مثيرة للجدل عبر الفكر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والعلمي، مما جعل رواد علم الأحياء التطوري يقرؤون له، و من أشهرهم ” شارلز داروين و ألفرد راسل”.
أما على الصعيد العام، وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر، لاقت آراء مالتوس قبولا واسعا لدى مثقفي الطبقة العليا من الأوربيين. على وجه الخصوص هذه الأفكار القاسية؛ وفي مقالة ” الأجندة العلمية السرية للنازيين” ، ذكرت الأهمية التي أعطتها أوروبا لآراء مالثوس حول المشكلة السكانية المكتشفة حديثا، و إيجاد سبل لزيادة معدل الوفيات بين الفقراء: فلنتمعن فيما قالوا : “بدلا من توصية الفقراء بالنظافة، يحب أن نشجعهم على العادات المناقضة. لذا، يجب علينا أن نضيق الشوارع في بلداننا و نحشر مزيدا من الناس في المنازل، و نشجع على عودة الطاعون. وفي الريف يجب أن نبني قرانا قرب البرك الراكدة، و نشجع على وجه الخصوص استيطان المستنقعات غير الصحية ” وهكذا دواليك. كانت هذه كلمات من اجتماع أعضاء الطبقة الحاكمة من جميع أنحاء أوروبا، وثَّقها الكاتب “ميكيل جون” بيه، في كتاب الصندوق الأسود لداروين. 
و منه التخلص من الضعفاء والعجزة يكون سهلا بفضل هذا الفكر اللوذعي أخزاه الله من فكر.
للتذكير ، تم تنفيذ هذه السياسة الخبيثة “اضطهاد الفقراء”، فعليا، في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر،من خلال وضع نظام صناعي تم بموجبه إجبار أطفال في سن الثامنة و التاسعة على العمل ست ساعات في اليوم بمناجم الفحم، مما أدى إلى موت الآلاف منهم نتيجة لظروف العمل الرهيبة والفظيعة”؛ وبالتالي فرض هذا النظام على ملايين البريطانيين أن يعيشوا حياة الذل و المهانة.” فكان عهد المصيدة المالثوسية التي أتت على حياة الكثيرين.
و من جانب آخر نتساءل: هل طبق “داروين” فكرة الصراع هذه على الطبيعة بأكملها؟ وهل فعلا كان يرى أن القوي و الأصلح يخرج منتصرا من صراع البقاء ذلك. و التي ستكون نواة النزعة الهتلرية و الفكر النازي بعد سنين قليلة؟
فضلا عن ذلك، يقول البعض أن داروين ادّعى أن مايسمى صراع البقاء، كان أحد قوانين الطبيعة المبررة و الثابتة، وأنه دعل الناس إلى نبذ معتقداتهم الدينية من خلال إنكار الخلق.
بهذا دفعت البشرية في القرن العشرين، ثمنا باهضا نتيجة لإنتشار هذه الأفكار الملوثة التي دفعت الأفراد إلى القسوة و الوحشية في أكبر العصور دموية على الإطلاق.
وبتغذية المالتوسية للداروينية، عمدت الأخيرة إلى تغذية الهتلرية و بدورها تغذت النازية، فكونت لنا نتاج العنصرية الإيديولوجية التي أغرقت العالم في بحر من الدماء عقودا من الزمن.
في الاجتماع الحاشد لحزب نورمبرغ 1933م، أعلن هتلر “أن الجنس الأعلى يخضع لنفسه الجنس الأدنى.. و هو حق نراه في الطبيعة ،ويمكن اعتباره الحق الأوحد القابل للإدراك”. هذا جزء من المنطق الهتلري الإستدامري الذي يأتي على الأخضر و اليابس.
إن الدارس ببصيرة لهذه الحركة ،يجد أنها متأثرة فعليا بالداروينية. فهذه المسحة الجديدة لنظرية التفوق و الآرية التي شكلها “أدولف هتلر” و” ألفرد روزنبرغ” الفاحص لها سوف يصادف أفكارا مثل “الإنتقاء الطبيعي” و “التزاوج المختار” و” الصراع من أجل البقاء بين الأجناس ” و كلها استوحاها هتلر من داروين و أدرجها في كتابه “كفاحي”.
إن تأثر النازيين بالداروينية حقيقة يقبلها تقريبا معظم المؤرخين المتمرسين، فمثلا يصف المؤرخ “هيكمان” تأثير الداروينية على هتلر بقوله ” لقد كان هتلر مؤمنا راسخا بالتطور و مبشرا به ..” وقد دفع قرابة 55 مليون إنسان أو أكثر ، الثمن في الحرب العالمية الثانية جراء أفكار هتلر الجنونية المستوحاة من الداروينية فالمالتوسية، و نجد أن نفس السيناريو يتكرر في مطلع القرن ال21 و بنفس العدد تقريبا في اللحظة التي أكتب فيها هذا المقال، فحوالي 55 ما بين مصاب و هالك ألم بهم هذا الفيروس الفتاك. و ربما يكون كل هذا من نتائج هذه الأفكار العدمية من عقول هؤلاء المنظرين. و الله أعلم.
(+) مهندس، كاتب صحفي مترجم، أكاديمي باحث في الاستشراق و العلاقات الدولية.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button