أدبياتتربوية

بين الطيبوبة والسذاجة !

 

ذ. نبيلة علوشا -اسبانيا

لم تكن المعادلة يوما خيارا بين السذاجة، والطيبوبة بل تكامل بينهما، فأحيانا قد تكون ساذجا، لجبر خواطر، او إنقاذ سمعة، في وقت يعتقد البعض أن في ذلك غباء ما بعده غباء، لكن الغباء الحقيقي أن تتمادى في الطيبوبة المفرطة وتقع في سفاسف الامور .
ولعل أجمل قصة نوضح بها مقصودنا اليوم قصة الإمام البخاري في رحلته البحرية لطلب العلم. قصته تركت أثرا بليغا في نفوس محبيه ما بين رفض وقبول لفلسفة الحكمة. لي ولكم طرح جميع الأسئلة العالقة في المخيلة، ربما أكثرها إلحاحا ما يتعلق بماهية السذاجة البشرية هل هي فطرة فينا أم نكتسبها وفق ظروفنا ووفق مواقفنا ؟ وهل يمكن ان يكون الإنسان ساذجا الى أبعد حد، و يتنازل عن حقوقه لهدف معين؟.

يروى عن الإمام البخاري أنه “ركب البحر ذات مرة في أيام طلبه للعلم وكان معه ألف دينار ، وكانت الألف دينار مبلغاً طائلاً في ذاك الزمان، فجاءه رجل من أصحاب السفينة وتودد إليه وأصبح يجالسه. وكان هذا الرجل يريد أن يجعل الإمام البخاري يثق به لشكه بوجود مال معه، وكان له ما أراد فقد وثق به الإمام وأخبره عن الدنانير الموجودة لديه.
وذات يوم حدث ما لم يتوقعه الإمام، إذ فجأة صاح الرجل وأخذ يبكي ويعول ويمزق ثيابه ويلطم وجهه ورأسه؛ فلما رأى الناس حالته تلك أخذتهم الدهشة والحيرة وأخذوا يسألونه عن السبب، وألحوا عليه في السؤال. فقال لهم: عندي صرة فيها ألف دينار وقد ضاعت فأصبح الناس يفتشون ركاب السفينة واحدا واحدا، وحينئذ فهم الإمام مكيدة الرجل له وأخرج صرة الدنانير خفية وألقاها في البحر وكانت كل ما يملك.
وعندما وصل المفتشون إليه وفتشوه أيضا لم يجدوا معه شيء مما أربك الرجل المحتال الذي كان يعتقد أنه سيأخذ أموال البخاري بتلك الطريقة الماكرة.
و انتهوا من تفتيش جميع ركاب السفينة، ولم يجدوا شيئا فرجعوا إليه ولاموه ووبخوه توبيخا شديدا، ولما نزل الناس من السفينة جاء الرجل إلى الإمام البخاري وسأله ماذا فعل بصرة الدنانير؟ .فقال: ألقيتها في البحر.
قال له الرجل بدهشة : كيف صبرت على ضياع هذا المال العظيم؟ فقال له الإمام: ياجاهل، أتدري أنني أفنيت حياتي كلها في جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف العالم ثقتي، فكيف كان ينبغي لي أن أجعل نفسي عرضة لتهمة السرقة. وهل الدرة الثمينة (الثقة والعدالة) التي حصلت عليها في حياتي أضيعها من أجل دراهم معدودة!.”

إنه الصراع الأزلي، بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، بين الفطرة السليمة، والفطرة الدنيئة، فهناك من غلبت على فطرتهم العميقة نزعة الشر والحقارة، لايلبث ان ينقض عليك بعد أول لقاء، وهناك من يتحين الفرص، حتى يلوح له بارق الأمل ليبث فيك سمومه.
غير أن هناك نوع من البشر طيبون بالفطرة، قد يميلون للسذاجة بحكم طيبوبتهم المفرطة، وهو خلق كريم ونبيل، ولكن بعضنا يرى في ذلك عجزا، وضعفا، ومهانة بل وغباء. فالسذاجة هي حكمة تتماشى مع مقتضيات ظروف معينة، فالمرأة التي تتنازل عن نصف ممتلكاتها لرجل ليطلقها في صمت، ليست ساذجة وغبية، بل الحكمة اقتضت منها أن تشتري سعادتها، بعيدا عن وغد حقير، لا يستحق حتى إلقاء التحية، والرجل الذي يهدد زوجته بالتنازل عن نفقة الأبناء أو نصف الشقة التي تمتلكها معه، ليس سذاجة منها القبول بذلك من أجل أن تحافظ على سمعتها من التلوث، وتحافظ على كرامة أبنائها، وان كان هو خسيسا لا يعرف الأخلاق، ليس ضعفا منها، أو لعدم وجود قوانين، وإنما لأحيان كثيرة، تكون صفقة لسعادتها، في صمت بعيدا عن الضوضاء والقيل والقال . فالحكمة اقتضت من البخاري أن يرمي كل ما كسبه بحرا، محافظا على هيبته ومكانته ، ولو حافظ على المال، ودافع عن حقه، لكانت أخلاقه محل شك باقية بقاء الدهر فآثر معانقة كنزه الأخلاقي.

هناك إساءات كثيرة من الآخرين لنا، لا نستطيع الرد عليها، ليس لعدم فهمها، أوعدم القدرة على الرد، ولكن الحكمة، تقتضي منا أن نكون ساذجين، و عقلاء، في لحظة السفه والطيش من الطاعنين .
هناك خيط رقيق جدا بين الطيبة والسذاجة، ولكن نحن من نحدده، ونحن من نضع معاني مفرداته، حسب ظرف، وزمان، ومكان كل واحد منا.

وأختم بقولة آلبرت أنشتين المشهورة (لاحدود للغباء البشري )،فلا تحتقر ساذجا أبدا فأنت لا تدري ظروفه، وزمنه، ومكان سذاجته !!

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. بارك الله فيك على هذا المقال الرائع والمميز
    بانتظار جديدك القادم بإذن الله
    لك منى كل الود والاحترام والتقدير

  2. تحياتي لشخصكم الكريم..
    ولكن لى استفسار اود معرفته ..
    فى مطلع مقالكم .. كتبتم : ان الامام كان في بداية طلبه للعلم..

    وفى نهاية قصته : أتدري أنني أفنيت حياتي كلها في جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف العالم ثقتي.

    وهو ما اشعرنى بوجود فجوة زمنية فى قصة الإمام البخاري..

    اما عن غاية المقال والعبرة منه.. سلمت يمينك ..
    خالص شكرى وتقديرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى