أدبياتعالم حواء

8 مارس.. أي حقوق للنساء في ظل مساواة عرجاء؟

 

إيمان مهدي

إيمان مهدي

نهضت على صوت المنبه كعادتي في الساعة السادسة صباحا ، توضأت  وصليت ركعتي الصبح. ثم قصدت المطبخ لأحضر  فطور ولدي وماسيأخذه معه إلى الحضانة؛ وجبة فطور ثاني ووجبة غذاء، وبعض الفواكه و المكسرات. أعددت وجبة فطوري الفقيرة، وضعتها على الطاولة و ناديت زوجي للمرة الخامسة في محاولة فاشلة لإيقاضه. تعجلت لتغيير ثيابي. وثياب ولدي الذي سيذهب بعد قليل إلى المدرسة.

نظرت إلى ساعتي.. الوقت يزاحمنى و أنا لم أفطر بعد، دهنت شطيرة خبز لآخذها معي.. تذكرت أن ابني أضاع مفتاح سيارتي أمس، هرولت نحو الغرفة للبحث عن نسخة المفتاح الأخرى، وجدتها.. ألقيت بنفسي مسرعة إلى الخارج ناسية شطيرة الخبز على الطاولة.
في الطريق حاولت أن أستمع إلى الراديو و أنا أسوق بسرعة جنونية كعادتي تفاديا لأية ملاحظة بسبب التأخر عن العمل ، يصدح صوت المغني عاليا “les femmes sont la lumière du jour…” أعدت إطفاءه، فالكلمات تشدني، و زحمة الطريق في الصباح تتطلب تركيزا أكثرا..
على مدخل الإدارة استقبلتنا الشركة اليوم ببطاقة معايدة كبيرة و بوكيه ورد، أخذت وردتي و أنا أبتسم، تبادلت الأحضان مع زميلاتي اللاتي جئن لمعايدتي، كون اليوم العالمي للمرأة يصادف يوم مولدي، تم دخلت إلى مكتبي.
أربع ساعات من العمل قبل أن تأتي فترة استراحة الغذاء في الواحدة و النصف بعد الظهيرة.
نصف ساعة.. أحاول أن أستغلها في الأكل و الكلام و الضحك والقيام بجولة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي لأطلع على جديد السنة فيما يخص موضوع المرأة.
كعادتها في هذا اليوم تطل علينا الصحف و المواقع و الحسابات بوابل كلمات التمجيد المنمقة و العبارات البراقة، و تطلع لنا ڤيديوهات لمؤثرين و مؤثرات، و ناشطين و ناشطات أشاوس يطالبوننا أن نكون قويات و يدافعون عن حقنا في المساواة مع نظيرنا الرجل تحت شعار: “المساواة بين الجنسين اليوم من أجل غد مستدام”.
هل كانت الإستدامة يوما رهينة بالمساواة بين المرأة والرجل؟؟!
منذ أكثر من نصف قرن و بعض النساء يحتفلن بهذا اليوم. وتطالب الحقوقيات المناضلات، بحقوق المراة ومنها التمكين والمساواة مع الرجل في كل شيء، وفي مناصب الشغل إسوة به، يطالبن كل مرة بمزيد من الحريات، بمزيد من المسؤوليات بمزيد من الحقوق التي ليست في حد ذاتها إلا مجموعة تكاليف جديدة انهكت عاتق المرأة. و جعلتنا نعيش في ضغط مستمر. وإذا كانت الظروف الاقتصادية الحالية أو الظروف التي تعيشها بعض النساء مع أشباه الرجال تضطرهن إلى البحث عن قوت يومهن وما يغطين به نفقتهن، فهذا لا يعني أبدا أنهن يجدن سعادتهن في العمل، بل العكس تماما. يؤكد.ذلك سليم نعامة في كتابه “سيكولوجية المرأة العاملة” أن خروج المرأة للعمل يسبب لها عدة اضطرابات، كما يعمل على تشتت جهودها و عدم ضبط النفس و فقدانها لقدرتها على التركيز والقلق المستمر، كما تشعر المرأة العاملة بالإكتئاب و الإحساس بالذنب اتجاه أسرتها وأطفالها مما يسبب لها في كثير من الأحيان الأرق، و فقدان الشهية و البكاء المتكرر.
فضلا عن الخوف و نوبات الإنفعال التي تنتابها جراء تحملها أكثر من طاقتها و عجزها أحيانا عن التوفيق بين كافة الأعباء.

لا أحد يدافع حقا عما تريده المرأة، أو ما تحتاجه لتعيش بسلام مع نفسها و محيطها كما كانت تعيش أمهاتنا و جداتنا القابعات في بيوتهن، و اللاتي لم يحدث أن احتفلن أو عرفن ما يسمى بعيد المرأة.لقد كرست أياد خفية لجعل العلاقة بين المرأة والرجل علاقة صراع و تحد، لا علاقة تكامل. و قد أصبحت النساء أنفسهن تخجلن من الإعتراف بأن ما يحتجنه فعلا هو أن يقبعن في كنف أب أو أخ أو رجل يكون لهن الزوج و الحبيب والأب و المعيل و السند و الظل الظليل، و يكن له السكن. و أن يخشى عليهن من أي انكسار تطبيقا لوصية الحبيب في خطبة الوداع ” رفقا بالقوارير” …
في يوم المرأة العالمي، كنت أتمنى أن يستفيق صغيري بين أحضاني، أن أعد الفطور بحب على أنغام Zaz وهي تغني أغنيتها الشهيرة “je veux” و نتناوله سويا أنا و ابني وزوجي. أن أذهب بصغيري بعد أن نودع أباه على الباب، إلى الحديقة لنلعب و نتدحرج على العشب…كنت أتمنى أشياء كثيرة بعيدة كل البعد عن المتمنيات المادية.
أدخل للبيت متاخرة في المساء، و أنا أعاني من التعب الشديد بعد  ساعات  العمل الثمانية، و ساعتين إضافيتين في التسوق وأشغال أخرى. أرمي حقيبتي جانبا، يستقبلني ابني بالأحضان.. أحضنه بقوة فيتمسك بي، يشدني إليه بإصرار ويريدني أن أحمله، والعياء الشديد يقهرني، أنفك عنه لألقي بجسدي المنهك على السرير في محاولة يائسة لأخذ نصيب من الراحة التي لا أحضى بها مطلقا مع ولدي المصر أن ألاعبه، اجد نفسي لااستطيع مسايرته، أحاول جاهدة، ثم لا البث أجدني أصرخ في وجهه، أحاول التماسك، أضمه لصدري لأمسح دمعه، يسكت، ويطالبني مجددا أن اسير معه ، أن العب معه، ان أعطيه كذا وكذا.. اريد ان أفعل فيخذلني جسمي المتعب.. يصر ولدي.. وأصر على الراحة. يستميت.. لا سبيل لي لتفادي إصراره إلا بإغلاف باب غرفتي في وجهه، أسمع صراخه عاليا خلف الباب؛ تنزل دموعي حارة وحائرة.. أتساءل؛ كم بقي من العمر لأتحرر من عبودية القرن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى