مجتمعيةمقالات رأيوطنية

بأيِّ ذنب يُقْهَر الإنسان في بلدتي؟!

 

عبدالإله الوزاني التهامي

 أكبر فساد هو إفساد الْهِمم وشراء الذِّمم وإلْهاء الناس بعورات وهفوات وعيوب بعضهم البعض، عن أشغالهم وقضاياهم وشؤون حياتهم الحقيقية، بدل توحيدهم وتحفيزهم على التعاون والبذل والعطاء والبناء.

أكبر فساد يمارسه بعض المسؤولين -وليس الكل بطبيعة الحال-، هو توظيف واستغلال نفوذهم وسلطتهم في الاتجاه المهدِّم لأركان المجتمع والدولة، عبر محاربة الناجح و”حلب” الفاشل لاستدامة فشله، وعبر إثارة الفتن والنعرات والمشاكل بين أفراد العائلة الواحدة، وبين عائلة وعائلة أخرى، وبين قرية أو دوار ودوار آخر، إلى درجة أن يصير همّ الناس اليومي لا يحيد عن الخوض الأعمى لمعارك تافهة، تدور رحاها حول ماديات ومعنويات وأمور بسيطة لا تحتاج أصلا نقاشا، فضلا عن خوض معارك.

 هذا النموذج السيء من المسؤولين، يثير في الغالب ،النعرات والفتن والإلهاء وصناعة الأحداث التافهة، لذرِّ الرماد في الأعين، وإشاعة غشاوات التعتيم والتضليل، حتى لا تكشف للناس عمليات نهبه وتهريبه و”رشوائته”.

من أخطر أنواع “الإفساد” كذلك، استدراج المسؤول الذي يمتلك السلطة موظفا بإدارة ما وبمؤسسة معينة، ويستعمله كمُخبر لصالحه، يُوصل له كل الأسرار الداخلية والمعلومات الخاصة بتلك المؤسسة، بل ويخبره بتفاصيل مضامين وثائق المواطنين، حتى معلومات وثيقة تم المصادقة عليها، في خرق سافر لكل القوانين والأعراف والأخلاق، عِلْما أن تلك المعلومات والأسرار لا ترقى، من قريب أو بعيد، وبشكل قاطع، لدرجة ما من شأنه أن يشكّل شكّا أو تخوفا على استقرار المجتمع وعلى الأمن القومي للدولة.

مع الأسف، ما يقوم به بعض المسؤولين -طبعا بدافع اجتهاد شخصي-، يقوِّض دعائم المؤسسة القوية، وينخر أُسس النسيج الاجتماعي، ويحيلهما كيانين رخوين مشلولين لا يستجيبان لمتطلبات الدولة العصرية القوية.

أمامنا نماذج من هذا القبيل، حيث وبفعل انهماك المسؤول في زرع بذور الفتنة والتفرقة والصدام والشجار بين المواطنين، لم يبق له وقت، أو بالأحرى عميت بصيرته حتى عن إيجاد حلول لمشاكل بسيطة تزداد استفحالا وتوسعا، مصحوبة بسلبيات وآفات أخرى أكثر قتامة، يستحيل على مسؤول أن يحل مشاكل مرؤوسيه في الوقت الذي يظل فيه منهمكا في محاولات حصد محاصيل ما زرعه من فتن في حقول المواطنين.

كل تلك الاجتهادات السلطوية المزاجية، لا تخدم سوى مصلحة المخطِّط والممارِس لها، بوسائل مادية ولوجيستية وقوات عمومية، التي من المفروض أن يشملها تقنين وضبط ومتابعة ومراقبة ومحاسبة.

الفساد الأكبر هو أن ينشغل المسؤول بسياسة “التكليخ” و التخويف و”فرق تسد”، وسياسة زرع الفتن، عن سياسة التدبير الدستوري القانوني العقلاني لقضايا الوطن والمواطنين.
صحيح، إن أكبر فساد هو أن نقتل في الإنسان ملكاته الإبداعية وهويته الأصيلة، وأن نجهض هواياته الفنية، وميولاته الإنتاجية، وفطرته الآدمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى