ثقافيةصحة

التبرع بالأعضاء الجسدية : مشكل قانون أم مشكل قيم وتقاليد ؟؟!

  1. الدكتور عبد الجبار شكري(+)

 

يقول الأطباء إن الكفاءة العلمية لا تنقص المغاربة في مجال زرع الأعضاء، ويقولون أيضا أن المشكل مشكل تشريع وقانون. بالفعل فغياب نصوص قانونية تنظم عملية التبرع بالأعضاء وزرعها هي واحدة من معيقات تطور هذا النوع من العمليات الطبية في المغرب.
صحيح أن الكفاءة العلمية لا تنقص الأطباء المغاربة في مجال زراعة الأعضاء، والدليل على ذلك أن الأطباء المغاربة نجحوا في زراعة الكثير من الأعضاء الجسدية، ونجحوا في أكثرها صعوبة وتعقيدا وهي زراعة القلب؛ ثم إن تقدم جراحة التجميل في بلادنا، جراحة توفر فيها الأطباء المغاربة على مهارة عالية، مما جعل بلادنا تشكل وجهة الكثير من الأشخاص الذي يرغبون في القيام بهذه الجراحة ليس فقط لأنها أقل كلفة من الجراحة التجميلية في بلدانهم، وإنما لوجود سمعة طيبة لهذه الجراحة ببلادنا، وبالتالي هناك مفارقة بين غياب التشريع القانوني والكفاءة المهنية الجيدة للأطباء المغاربة.


إن المشكل الحقيقي في تعتر عمليات زراعة الأعضاء في المغرب ترجع إلى عاملين هما :
أولا ، غياب نصوص قانونية تنظم عملية التبرع بالأعضاء الجسدية وعملية التعويض عنها، فالعمليات الطبية تتم فقط بين المتبرعين الأقارب وبعض الأصدقاء. والتشريع المغربي يساير، كأي تشريع قانوني في بلدان أخرى،  ثقافة المجتمع ونظام قيمه وتقاليده وأعرافه؛ وهناك غياب شبه تام لثقافة التبرع بالأعضاء في هذه الثقافة. من هنا فالمشرع المغربي لا يعرف إلى حد الآن كيف يتصرف في هذا الإطار ، لأن هناك موقفا غير واضح من عملية التبرع بالأعضاء في الثقافة الشعبية المغربية، والمشرع المغربي يتردد في أن يشرّع لقانون لا يساير نظام القيم و التقاليد والأعراف السائدة في المجتمع، لأن أي تشريع قانوني إذا لم يساير نظام القيم والتقاليد والأعراف ، سيكون مآله الفشل على مستوى التطبيق والممارسة ، وبالتالي لن يحترمه الناس ولن يخضعوا له.
+ غياب ثقافة التبرع بالأعضاء الجسدية عند المغاربة بسبب عوامل سيكولوجية وسوسيولوجية ، وهي كالتالي :
بالنسبة للعوامل النفسية التي تمنع المغاربة من التبرع بأعضائهم الجسدية، نجد ما يلي:
أولا:  يرتبط ذلك المنع من ناحية التحليل النفسي، بغريزة “الإيروس”،  وتعني غريزة الحياة. وهذه الغريزة تمارس وظيفتها بشكل لا شعوري من خلال رغبات اللاشعور “اللبيدية” التي تسعى باستمرار إلى تحقيق اللذة وإلغاء الألم من كينونة الأنا، بحيث تسعى إلى إغراق الأنا في أنطولوجيا نرجسية بلذة شبقية لا يرى فيها الأنا إلا السعي للحفاظ على كيانه، والحفاظ على استمراره في الوجود من خلال استمرار الجسد. إن الجسد في هذه الحالة يشكل بؤرة وجود الأنا واستمرار كينونته السيكولوجية. ولذا يسعى إلى تأثيثه ب”استيطقا “متنوعة من لباس وعطر وتغذية وأدوية إلى آخره؛ ومن هنا لا يقبل الأنا أن يفرط في عضو منه ولو بعد الممات، لأن التبرع يعني الموت المزمن البيولوجي والنفسي للذات. ولذلك نجد الأنا لا يستسيغ قتل الذات من أجل حياة الآخر ؛ ونجد كبحا لاشعوريا يمارسه الأنا في التبرع بأعضاء هذا الجسد للآخرين.
ثانيا:  في المقابل يرتبط هذا المنع بغريزة “التناتوس”،  وهي غريزة الموت . وهذه الغريزة تسعى إلى الهدم والتدمير سواء اتجاه الذات أو اتجاه الآخر. هذه الغريزة تدفع الأنا بشكل لاواعي إلى إقصاء الآخر من خلال التلذذ في هدمه للجسد بواسطة المرض، ومن ثم فإن أي تبرع بعضو من أعضاء الجسد سيلغي هذه اللذة السادية؛ وسيجعل الأنا يعيش نفس مرارة هدم الجسد، ومن تمتنع الذات عن التبرع بأعضاء جسدها للآخر.
ثالثا : إن العشق الجنوني للحياة سيؤدي إلى وسواس حب الجسد ولو بعد الممات ؛ وهذا النوع من الناس يطالب أقرباءه بوضعه في صندوق عند موته ، وبناء قبره وزخرفته عند وفاته. لهذا تعتقد الذات أن التخلي بأي عضو بعد الممات يؤدي إلى الشعور المزمن بلحظة الموت في أي لحظة، الشيء الذي يمنع الذات من التبرع بأعضاء الجسد.
أما بالنسبة للعوامل الاجتماعية التي تمنع المغاربة من التبرع بأعضائهم الجسدية، نجد ما يلي:
أولا:  إن التنشئة الاجتماعية السائدة في المجتمع المغربي في ممارستها الواعية وغير الواعية،  تربي الشخص على حب الجسد وعدم الإيثار في التبرع بأعضائه للمرضى بعد مماته.
ثانيا : إن فعل الإيحاء والتقليد الاجتماعيين ينشر بين المغاربة ثقافة عدم التبرع بالأعضاء في الحياة أو بعد الوفاة. ولهذا لا نجد الناس متحمسين إذا طلب منهم ذلك.
ثالثا: أن التغير الاجتماعي في المجتمع المغربي لم يؤد بسرعة إلى تغير ثقافة الإنسان المغربي في مجال طب زرع الأعضاء:  زراعة الكلية من طرف الدكتور موراي سنة 1954، وزراعة الكبد سنة 1964 أول عملية طبية ناجحة في زراعة القلب على يد الدكتور كريستيان برنارد سنة 1967، فالبرغم من هذا لم يؤثر ذلك في انتشار ثقافة التبرع بالأعضاء وزرعها، فمازالت هذه الثقافة تؤمن بعدم شرعية التبرع بالأعضاء الجسدية وزرعها لأنها تتدخل في الإرادة الإلهية، وعدم خضوع الشخص إلى القدر والمكتوب.
إن غياب عملية التبرع بالأعضاء سيؤدي، حتما،  إلى وفاة الكثير من المرضى الذين هم محتاجين إلى الأعضاء الجسدية للآخرين؛ فمن الناحية الإنسانية والدينية جميل أن يتبرع شخص لإنقاذ حياة الآخر، والدين الإسلامي يوصي بخدمة الناس وتفريج كرباتهم، والرسول الكريم ً(ص) يقول “من فرج كربة مؤمن فرج الله كربته”، فما بالك بأن ينقد حياة إنسان من خلال التبرع بعضو من أعضائه في حياته أو بعد وفاته.
ولهذ أعرض بعض الاقتراحات التي يمكن أن تدفع بهذا النوع من الاستشفاء إلى الازدهار والتقدم :

  • أولا : إن نشر ثقافة ونظام القيم التي تتضمن غياب العيوب الجسدية و اكتساب أمل طويل في الحياة،سيؤدي حتما إلى نشر ثقافة التبرع بالأعضاء الجسدية وتطور عملية زراعتها.
    ثانيا:  يجب على المجتمع المدني أن يعمل على نشر ثقافة التبرع بالأعضاء في المجتمع المغربي، وذلك سيؤدي حتما إلى تقدم عملية زرع الأعضاء كما تقدمت الجراحة التجميلية في بلادنا
    .

 (+) باحث في علم الاجتماع وعلم النفس
باحث مشارك في مختبر الأبحاث والدراسات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى