ثقافية

أوهامُ إعصار …..

 سمية سرستو

لن أنسى ما حييت ذلك اليوم؛  يوم ليس كسائر الأيام، بدا عاديا في بادئ الأمر،  لكن سرعان ما ظهرت أشياء لم يُحسب لها حساب، فقد استيقظت صباحا على وقع أمطار خفيفة للغاية. كان اليوم عطلة، لذلك جلست لوحدي أطالع كتبي ، وسرعان ما سمعت صوتا مدويا. فتحت نافذتي. يا إلهي لم أستطع المقاومة. اندفعت للخلف بفعل تلك القوة العجيبة. لقد كان إعصارا كبيرا يأتي على الأخضر واليابس ، وما إن أفقت من إغماءاتي حتى فتحت عينيَّ في دهشة. كان الأمر عجيبا جدا،  وبدا حجم الإعصار أكبر،  بثلاثة أضعاف أو أكثر، من حجم أكبر كوكب بالمجرة.

هيهات هيهات لو استطعت تمالك نفسي لأصور ذلك المشهد العجيب حقا. فقد حمل الإعصار كل شيء سوى منزلي الصغير الذي ظل كأنه برج مراقبة – فهل تراني أملك قوة خارقة منعت هذا الإعصار وكفتني شره؟ – بعد ساعات توقف الإعصار. الحمد لله خرجت لتوي ، بل لم أتأخر البتة  لاستطلاع ما حدث. ما هذا؟؟

 رأيت العجب العجاب. تبادرت إلى ذهني أسئلة مُحيرة. هل ما زلت في بلدي المغرب أو نقلني الإعصار إلى بلد جديد!، أرى طرقا معبدة؛ شركات ومصانع؛ كل الناس يسرعون صوب عملهم دون تضييع ولو ثانية واحدة؛ وسائل النقل العمومي متطورة وغير مكتظة؛ المواطنون لا يتدخلون في شؤون غيرهم؛ أين التجمعات النسائية؟ أين الشباب الذين لم يجدوا لبطالتهم دواء سوى التسكع في الشوارع وتناول كل أنواع المخدرات؟

 

 

 

كل ذلك اختفى. نعم. لا يصدق عقلا كل ما حصل، لكنه وقع فعلا. لم أكن أصدق ما تراه عيناي .أما المفاجأة الكبرى هي عندما عدت للمنزل. أشعلت التلفاز،  ولأول مرة جلست أتابع نشرة الأخبار باهتمام بالغ، فإذا بي أسمع مقدم الأخبار وجد شيئا مهما يقوله لأول مرة!

” أما على المستوى الوطني، فإن المغرب حقق، حسب الإحصائيات الأخيرة،  نجاحات بالغة في شتى الميادين والمجالات. احتل المغرب الرتبة الأولى في الإنتاج التكنولوجي العالمي،  ورتبا جد متقدمة في كل من الفلاحة والصناعة؛ كما أبانت المؤسسات التعليمية عن جدارتها وكفاءتها العالية، حيث وصلت نسبة النجاح ، في كل المستويات ، إلى 99 في المائة، وكان نصيب المغرب الرتبة الأولى عالميا في كل من التعليم والصحة.”

واصل نشرته: ” ومن جهة أخرى، انتقلت مقرات وكالاتي اليونيسيف واليونيسكو بالعاصمة المغربية مواصلة اعتزازها وفخرها بأعمالها الخيرية المتجلية في إرساء بعثات طبية ومساعدات غذائية إلى الدول الفقيرة والنامية بكل من القارة العجوز ” أوروبا”،  والولايات المتحدة الأمريكية؛ كما تمكن المغرب من تحقيق أكبر احتياطي من البترول والغاز والفوسفاط…”

وأضاف: ” وفي سياق متصل، توصل المغاربة الأكفاء إلى اختراعات وقفَ العالم عاجزا ، مشْدُوهاً أمام قوّتها وعظمتها، مثل القنبلة “السرسذرية” القادرة على تفجير الشمس والأرض في نصف ثانية؛ وباتت كل دول العالم تريد الانضمام إلى اتحاد المغرب العربي لقوته وتماسكه الاقتصادي.”

وأنهى مقدم الأخبار نشرته قائلا: ” وفي الخبر الرياضي، فاز الفريق المغربي، ولأول مرة في التاريخ، بكأس العالم، وأصبح الفريق الأسطورة بتسجيله أزيد من عشرين هدفا خلال مباريات معدودة. وبهذا الخبر ننهي النشرة. إلى اللقاء.”     

سبحان الله، تطور المغرب، بين ليلة وضُحاها، إلى مصاف الدول المتقدمة. عندها خطر ببالي أن الإعصار لم يحمل فقط شوارعهم ومصانعهم – أعني الدول الأوروبية والأمريكية – بل حمل حتى أفكارهم وتقدمهم ووضعه في هذا البلد الفقير العاجز عن النمو والتطور.  

إعصار احتفظ للمغرب بحدوده السياسية وخريطته، وحمل إليه التقدم،  بشتى أنواعه،  إلى عقر داره دون سابق إنذار. يا له من أمر عجيب. إعصار يحمل الخير بدل الشر.. هكذا واصل المغرب تقدمه وازدهاره بنزاهة في شتى المجالات والميادين،  وخطى خطاه بجدارة وكفاءة من حكومة وبرلمان إلى أصغر جماعة قروية كانت مهجورة من قبل.

بعد هذا الإنجاز الذي حظي به المغرب، أصبحت كل بلدان العالم تسعى إلى أن تصبح مثله. أكثر من ذلك تريد هذه البلدان نقل تجاربه إليها بعدما استفحل فيها الجهل والتخلف. لكن المغرب ظل خائفا من إعصار أخر مفاجئ يقلب الموازين من جديد ويعيده إلى سابق عهده.

كفاكم حلما.. انهضوا يا جيل المستقبل ففي اتحادكم إعصار حقيقي يغيّر المغرب للأحسن. أما إذا انتظرتم الأعاصير لتحمل إليكم التقدم، أخاف أن يطول انتظاركم وينتابكم اليأس وتندموا حين لا ينفع الندم؛ بعد فوات الأوان. كفى أحلاما وكلاما .. وقوموا إلى العمل والاجتهاد نحو غد أفضل.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. قصة رائعة و هادفة. أتمنى لكِ المزيد من التفوق و النجاح. واصلي إبداعكِ

  2. ذلك الإعصار ممكن فقط إذا تظافرت الجهود، للنهوض بالمجالات الحيوية، والتي على رأسها التربية والتعليم، والبحث العلمي، والتطور الصناعي (الصناعات الدقيقة والمتطورة) وتبقى اللائحة طويلة جدا…،والأمر هنا بيد صانعي القرار الذين يتحملون مسؤولية وضعية المغرب غدا، إما دولة متقدمة أبانت عن جدارتها في التطور السريع ومجاراة تحديات العولمة، أو دولة تعمها الفوضى على جميع الميادين أخطرها الميدان الصناعي الذي يشهد اليوم غزو خارجي ،إمبريالية حديثة، إستغلت إتفاقيات مفاوضات إستقلال المغرب المشؤومة، التي لا تزال سارية المفعول، في الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى صناعة داخلية، ترفع الإقتصاد وتثمن عملتها على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
    أوافقكم الرأي، فعلا جيل المستقبل هو القوة الدافعة التي ترتبط تناسبيا مع كل تيار من التيارين اللذين ذكرتهما،
    فالأمر بيدكم يا صناع القرار، إما أن تنتجو جيلا من الكفائات القادرة على النهوض بالبلاد نحو مستقبل أفضل بكل مسؤولية، او جيلا إتكاليا فاشلا لا يقدر على تسيير حتى نفسه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى