ثقافيةمجتمعية

صرخات مكتومة..في مجتمع غاصب

 

هناء مهدي

تغتصب منها الطفولة كما يغتصب منها الشباب، وتغتصب عندما تعجز. تظل الشماعة التي تتحمل الأعباء وعليها تصب كل المشاكل..احتضنها مجتمع غاصب، فارتشفت من يديه سم قوانين ظالمة، ثم سقتها لبناتها قهرا..
أمينة ..واحدة من هؤلاء النسوة ضحايا القوانين الذكورية الحاكمة، استغلت لتساند أمّها في تحمُّل أعمال شاقة وعبء لا ينضب، وهي طفلة لا تتجاوز السابعة من العمر؛ ثم استُغِلت وهي بنت الثالثة عشر ربيعا عندما رسا عليها اختيار والدها فتوقفت عن الدراسة رغم تفوقها…لِتُوأَد في دواخلها كل الأحلام التي زرعتها طفلة وظلت تسقيها لتنمو وتثمر. رغم استماتتها؛ رغم دفاع أساتذتها عنها واحتجاج أمها…لم يثن عزم أبيها ـ محتجا بخصاصته ـ ليقر قرارها عنوة في ورشة خياطة بالجوار ، يمتهن ربها شراء مستقبل طفلات بريئات، مقابل بضع دريهمات يدفعها للأب مباشرة؛ فهو المحصل الرسمي لضريبة أنوثتها، وهو أمين المال في شريعة المجتمع الذكوري، وهو المتحكم في دواليب السلطة، بينما ينعم الإخوة الذكور- استنادا للقانون نفسه- بكامل الحقوق والحريات.


تحكي لنا أمينة قصتها مقاومة.. دموعا تختمر خلف الأحداق، لتبدو للرائي أكثر قوة وقدرة على تحمل الأرزاء: “فررت من استغلال أبوي إلى استغلال أبشع، بعدما استنجدت بالزواج. كان نصيبي رجلا شاء أن يلزم البطالة بعد عام ونيف من زواجنا، لأصبح ، وأنا في سن لا تتجاوز الثامنة عشر، المربية للأبناء، والمدبرة لأعباء البيت، والمعيلة الوحيدة للأسرة”.
تقطب أمينة حاجبيها.. فتبدو الخطوط أفقية على الجبين متقاطعة مع أخرى أكثر عمقا ترسو بين حاجبين رقيقين، تترجم بالواضح حجم معاناة المسكينة .. فتفشي خارطة وجهها تلك، سنا زائفا، يتجاوز عمرها.. وهي التي لم تتجاوز بعد الثالثة والعشرين ربيعا.
بامتعاض شديد تختصر حجم معاناة النساء قائلة : “لا سبيل لكسر أحكام اتفق عليها المجتمع برجاله ونساءه؛ وما كان من موجب يحتم على المرأة أن تترك حياة هادئة لتغوص في معترك حياة آسنة، لولا غضاضة الفقر وإلحاح الحاجة”.
يتوزع برنامج أمينة بين ثلاثة مشاق: تنظيف المقهى صباحا، تجارة الرصيف نهارا، وأشغال متراكمة في بيتها تنتظر عودتها مساء، بعد حج يومي إلى السوق لابتياع ما استلزم من حاجات، وما التمس الأهل من طلبات، لتجد زوجها في استقبال يومي بباب البيت لا يخطئ موعده.
بضحكة ماكرة، تفشي أسنانا صفراء من فرط الشرب و التدخين، يغازل ضعفها بكلمات كاذبة، فيحصد ذخيرتها، من دون أن يغفل مقابلا سخيا من مدح كاذب أو دعاء ماكر ، وهو الذي ضمن سجائر اليوم وقارورة خمر، ونقودا يصرفها متباهيا بغناه أمام أصحابه.

“جبلنا على التضحية والصبر، وإنْ قُوبل عطاؤنا بالجحود والنكران، مضطرة لإعالة أسرتي ووالدتي المريضة التي تحتاج أيضا إلى دواء ثمنه يستوفي قسطا مهما من ميزانيتي، ومع ذلك أبتاعه كل أسبوع، فيتكدر يومها مزاج زوجي ولا يعصمني من ضربه عاصم: سب وشتم يهطلان كوبيل مطر أو طرد من البيت..” تأخذ نفَسا عميقا ثم تضيف بامتعاض شديد “..ولأن كل منافذي موصدة ..لا حيلة لي سوى الصبر”.
في مجتمع فطم رجاله على الأنانية صغارا ونشأوا عليها كبارا، لن يثمروا عندما تنصفهم الحياة. هو حال مجتمع تعيش بين أفراده نساء مثل أمينة؛ ضحايا مجتمع يطبق شرع الله على مقاس رجال لا يغفلون سنن الله عند اقتسام الميراث.. ويتناسوها في كل باب فيه إكرام للنساء؛ يتغافلون شرعا قيّد يدهم عن رزق أنثى وقيد بطشهم عنها.. وسننا كفلت حريتها وسلطانها.. ليجعلوها أسيرة هواهم وفديتهم لما يفتدون.. يحتكمون إلى شريعة أهوائهم، إلى نرجسيتهم وشذوذهم.. فيجعلون أنثاهم الجميلة، خاضعة لسلطة سادية عمياء!

مكافحة التمييز بين الجنسين؛ التمكين الاقتصادي للمراة؛ المناصفة.. مصطلحات جديدة لحقوق قديمة فرضتها شريعة السماء قبل أن تفرضها شريعة الأرض، بينما قوانين المجتمع الذكوري تسود وتحكم مجتمعا شاء أن يحتكم للموروث الثقافي، وإن كان خاطئا، مهما ناقض شريعة الله وشريعة القانون.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال أعجبني فيه من النقل لواقع مرير تعانيه المرأة في المجتمعات الذكورية التي تستغل هذا الكائن باسم الاعراف و التقاليد و التمييز بين الجنسين ما يجعلنا نقول كفى لهذه المملرسات التي تحط من قيمة المرأة و تهين كرامتها زوجة كانت او ابنة او أختا.فكيف يعقل ان تعيش المراة في مثل هذه المجتمعات في زمن العولمة و التكنولوجيا او مايصطلح عليه بحقوق الانسان….شكرا استاذة هناء على إثارة هكذا مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى