الافتتاحيةسياسية

الحكومة التي…والدكتور الذي…

حمادي الغاري

مفارقة عجيبة هذه التي نعيشها منذ إعلان ملك البلاد محمد السادس عن ضرورة إدخال تغييرات ملموسة ومقنعة وحاسمة، من خلال إشراك الكفاءات والخبرات الوطنية، التي لا يعدمها بلدنا، للانخراط في نموذج جديد للتنمية، وجعله قاعدة إقلاع حقيقية نحو التنمية والتقدم المنشودين..

جاء ذلك في خطاب ملكي هام (خطاب العرش2019) وجّه من خلاله الملك رسائل واضحة لمن يهمهم الأمر تقول بالعربي الفصيح: لمن لا يريد أن يخدم هذه البلاد ، أو لا يستطيع أن يقدّم لها شيئا ، أو وجد نفسه عاجزا عن تقديم أية إضافة …فما عليه سوى الانسحاب ، وترْكِ المكان لمن هو أقدر وأكفأ على تحمّل المسؤولية .

كل الخطب الملكية الأخيرة تقول باختصار: كفى..

نعم.كفى من العبث. كفى من هدر الوقت  وقتله. كفى من اللاّمبالاة ، من التهاون ،التواكل، الانتظارية، الانتهازية..لتحل محلها  الجِدِّيَة ، المعقول ، الالتزام ، المسؤولية ، وأداء الأمانة التي يؤدِّي المسؤول عنها اليمين أمام الله والوطن والملك..وهم عليه شُهود .  وما دام أنه  مسؤول ، فإنه يبقى محطّ تساؤل،  إن لم نقل أنه جاء الوقت ليُسْأَل .

تتناقل الأخبار عن تعديل حكومي يشمل عدة قطاعات، ودمج عدد من الوزارات في وزارة واحدة، وتغيير اسم عدد من الوزارات، وإبعاد عدد من الوزراء والوزيرات..وفي غمرة ما يجري في كواليس الحكومة وكواليس الأحزاب ..فإن الرأي العام ، وفي مقدمته وسائل الإعلام، لا يعرفون أيّ شيء عن هذه “الحملة” المرتقبة التي ستعصف بالوزير الفلاني والوزيرة الفلانية ؛ وبالتالي لا يعرف هوية الكفاءات” التي ستظهر وتتحمل المسؤولية كما حددها ملك البلاد ، وليس كما تريدها الأحزاب.

ما يريد المواطن والملك، ليس التعديل من أجل التعديل، واستبدال وجوه بوجوه، ووزارات ودواوين ومكاتب وكراسي.. بل برامج إنمائية قابلة للتنزيل والتطبيق، تستجيب لحاجيات وانتظارات المواطن ، من عدالة اجتماعية ومجالية،ومساواة، يلمسها هذا المواطن وتنعكس على حياته وعيشه..

إذا كان الملك قد عبّر ويعبّر، منذ سنوات خلت، عمّا يحس به الشعب، فماذا تفعل الحكومة المنبثقة عن انتخابات حصلت فيها أحزابها على الأصوات (الشعبية) المطلوبة، التي تتحدث باسم هذا الشعب ؟؟  أنْ تقبع الحكومة في مكانها ولا تُراوِحُه ؟ وإذا لَمْلَمَت أطرافها وتحركت ، فمن أجل البحث عن توازنات وتفاهمات، بناء على ترضيات سياسية في الحكومة المرتقبة ، انطلاقا من رؤية انتخابوية ..

هذا يسمّى في لغتنا الدارجة “طْنِيزْ”. وهو ما يرفضه الملك والشعب.ولا يقبل به أيّ عبد من عباد الله.

المغرب في حاجة إلى نَفَسٍ سياسي واقتصادي واجتماعي جديد، ذي توجُّهٍ ديمقراطي جديد، في إطار نموذجي تنموي جديد. هذه هي المعادلة السهلة الممتنعة التي كان على رئيس الحكومة أن يجعلها نصب عينه. ولعل استقبال الملك الأخير لرئيس الحكومة (الدكتور سعد الدين العثماني) حصل فيه هذا التنبيه بعد ملاحظة جلالته التباطُؤ ، إنْ لم نقل التلكُّؤٍ ، الحاصل في عملية التغيير المطلوبة ، في أفق إيجاد النّفَس الجديد للنموذج التنموي الجديد.

لا نعرف هل الحكومة تستشعر العجز الذي يدب في جسمها بعد عدة شهور من تعيينها ؟ لا نعرف هل تحس الحكومة بالعلَّة التي أصابتها ، والتّرهُّل الذي سادها.. نفسيا وعضويا (مع أن فيها دكاترة واختصاصيون..) ، والتِّيه الذي غمرها ؟ لا نعرف هل شعرت الحكومة يوما ما أنها غير قادرة على السير بالسرعة المطلوبة ـ المتّزِنًة لتحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية..؟ ولا نعرف هل أدركت الحكومة أنها لا تتجاوب مع انتظارات الشعب ، ولا مع تطلعات الملك ؟ ولا نعرف إن كانت تعرف أنها في واد والوطن في واد آخر؟؟

أما عن الأحزاب المشكِّلَة للحكومة ،فإنها ،على ما ظهر ويظهر، غير متوازنة ، وغير متماسكة ، ولا تعزف انطلاقا من نوطَة واحدة، ولا تتكلم لغة واحدة ، وليس لها رؤية مشتركة .. كل حزب بما لديه فرِحُون..بدليل غياب الحد الأدنى من التماسك والتضامن بين مُكوِّنات أغلبيتها كما شهد شاهد من أهلها. هذا يعني أن الحكومة صُورية ، تفتقد إلى القدرة والحنكة  والحكمة  المطلوبة والضرورية لمواجهة المشاكل والأزمات .. وكم من مشاكل وأزمات مرت .. والحكومة لاهية بمشاكلها وصراعاتها ، ولولا تدخّلات الملك الناجعة .. لحصل ما تسير بذكره الركبان..

حين يغيب الحد الأدنى من التماسك بين المجتمع والجماعة والعائلة والأسرة والفريق والأصدقاء.. فبالأحرى الحكومة.. فما عليك ، ياوطني، سوى قراءة الفاتحة . .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى