أدبيات

المرايا وكوميديا الذات… الخطايا والجحيم عند سعيد رضواني

 


بقلم الدكتورة لبيبة خمار

حين يغامر القارئ بولوج المرايا، فإنه يجد نفسه يقامر بحميميته التي يخترقها الحبر ويعلنها للملأ، كما يقامر بمفهوم الوحدة؛ وحدة الوجود ووحدة الذات والآخر. هذه الوحدة التي تحصّن وراءها طويلا واتكأ عليها، وهو يرتاد دروب الحياة، والتي حمته من التصدع والانشراخ الداخلي. يغامر بانسجامه وبوحدة أنفسه التي يراها أمامه تتشظى وتتكاثر. ويغامر بوحدة زمنه الذي تنبثق منه أزمنة أخرى، يراها تتوازى أو تتقاطع. كما يغامر بوحدة مكانه الذي يصير أمكنة يطؤها، فتتلولب، ثم تنبسط وتتغير متحركة به ليعانق اللامعنى أو ليعانق المعنى الذي يكتشف فيه كابوسية حياته التي تحوله مسخا بفيض الأحلام وغيث المتمنيات، وبسيل الانكسارات وبجحيم الذات وجحيم الآخر. فقد تمكنت المرايا، بهذا الزخم المتولد من التفرد، من أن تضاهي في مسوخيتها مسخ كافكا لأنها عرفت كيف تنفتح على الأسطوري وتعيد إليه وهج الحياة. وعرفت كيف تعري عن الإنساني، وهو قيد الانكسار. وكيف تعري الذات الآخذة في التلاشي. وكيف تتتبع الألم، وهو يتجمع في القلب لينفجر حبرا، وكيف تفضح الظلم الاجتماعي الذي تآكلت معه أبراج الأمل.
لقد أصبح الحلم، وهو يتحرك وسط المرايا تأملا، وأصبحت المرآة معبرا وبرزخا يقود إلى حياة تظل بوهميتها وظليّتها تتمتع بالبريق والألق لأنها حياة الداخل، حياة الوعي المحاصر، واللاوعي المقيد بالنسيان والمحكوم بالطمر والإخفاء والكبت والتبكيت. وحياة الذاكرة بالذي تخزنه من مهاوي السقوط، فأمست الكتابة، بالجرح وألم الانعكاس، وبمرارة الانسلاخ عن الذات والابتعاد عن كنه الإنساني، دفقا وكلا متكاملا ومترابطا يشي بتجنيس يغاير التجنيس الأول؛ فهي ليست بالمجموعة القصصية التي تقرأ بالفصل والوصل، وإنما بالنص الذي ينزاح بانفتاحه وبنائه وشخصياته الدرامية المركبة ليناوش الرواية القصيرة المترابطة. إذ ينبني على مقومات داخلية تتيح الربط والالتحام رغم الانفصال الظاهر ورغم العناوين أو العتبات.
ومن أهم تلك المقومات:
-وحدة الموضوع، الذي تمحور حول تيمة التعدد والازدواج، ثم تيمة التحول والمسخ. التي سوف نبلورها حين الحديث عن البناء ودوائر الجحيم، أسفله.
-نسق التأطير والتضمين ونسق التضمين والانشطار وهما في عمقهما صياغة وتركيب شكلي وفني وأدوات تقنية تروم تحقيق الربط والارتباط الشكلي والبنيوي بين القصص.
وبالتالي، فهي أنظمة علائقية مختلقة من قبل، وظفها الكاتب لرتق الحكي وتجميعه في بنية واحدة، ويبقى على القارئ الإمساك بتلك العلاقات وما تتمظهر فيه من بنيات ليتمكن من تجاوز التفكك الظاهر للبنية والوقوف عند الوحدة المفترضة؛ حيث اعتمد الكاتب على القصة الإطار التي ضمت غيرها من القصص، كما اعتمد على القصة الخــتام التي أنهت الحكي، فأصبح يتوفر بهذا الشكل على مصراعين بانفتاحهما يلج القارئ إلى عالم المرايا وبانغلاقهما يعود إلى عالمه.
اللافت للانتباه، هو أن الكاتب استخدم في القصة الإطار ضمير الغائب. وحرص على التنويع في الضمير ما بين غائب ومتكلم في القصص المتضمنة، التالية للحكي الأول. لكنه اختار استخدام ضمير المتكلم في القصة الختام. وهو استخدام ينسجم مع رؤيته لكونه الجمالي الذي يتأرجح بين الذات وآخرها، وينسجم مع خطه الرؤيوي الذي يجعل من السرد رحلة وعبورا صوب الذات، وصوب بيتها المهجور الذي تتراءى فيه كالآخر، والذي تتساقط وتهترئ وتنحدر إلى الدرك الأسفل قبل بلوغه. وكلما عبرت مرآة من مراياها، المغروسة في الأعماق، كلما اتجهت صوب الجحيم، الذي تعبره هو الآخر، لتصل في النهاية إليها. بيد أنها تصل بعد ضياع العمر وتغضن الأحلام.
إنها رحلة روحية يرمز إلى بدئها بـــ “وفتح عينيه” المحيلة على تغييب الذات واختلاطها بغيرها، ويرمز إلى انتهائها بــعبارة “من بعيد ألمح بيتي المهجور”، التي تشير إلى عثور الذات على ماهيتها، ومعرفتها بكنهها الذي أتاح لها إحداث انسجام قضى على تشتتها وساعدها على تجاوز جحيمها، وإيقاف عويلها.
إنها كرحلة دانتي وما النباح، والكلاب، والجراء، والأحلام المتولدة من بعضها سوى رموز تحيل إلى العذاب الداخلي ومراتب الجحيم الذي تكابده الذات بخطاياها أو بأحلامها التي تمسي في بيئة معاكسة وعدوانية مجرد خطايا.
المرايا والخطايا السبع:
تتقدم الخطايا بكل حمولتها الدينية -باعتبارها الركيزة الأساس التي تقومت عليها كل القصص- في المرايا التي ما انفكت تندرج ضمن خطيئة أو خطيئتين أو أكثر، مما يعني أن مولد الحكي في جوهره عبارة عن ثالوث مسنن يتكون من الخطيئة والعقاب، فالجحيم. ولقد أرخى هذا الثالوث بظلاله على المرايا التي استوطنتها الأرواح بخطاياها، فتحولت بدورها إلى أرواح تمتص الخطايا، وتعكسها للرائي من على صفحتها الملساء في صورة مادية تمثلها وتعبر عن جوهرها الذي يتبدى بشاعة وسوادا، ثم وحشا يلتهم المخطئ ويحوله إلى آدمي، أي إلى وحش.
وهكذا عكست كل قصة/مرآة خطيئة من الخطايا السبع، فأصبحت مرايا للتأمل والتفكر في كينونة الذات وكينونة الآخر، وللتفكر في الموت والحياة، وللتفكر في الجحيم الذي حاولت أن تعيد تعريفه بعبارة فلسفية سبق أن صرح بها “جان بول سارتر” الذي حَدَّ الجحيم في الآخر أو الآخرين. وما الآخر سوى الذات بذواتها، والوجه بوجوهه والنفس بأنفسها وبخطاياها، فهذا هو الجحيم، وهذه هي مراياه:
1-الكبرياء: تقابله دمية السليكون، وقد تمخض عنه الموت وفقدان الحبيبة الذي أفضى إلى بداية الانسلاخ عما هو إنساني ثم عما هو آدمي، أي بداية التحول إلى مسخ.
2- الحسد: تقابله مداعبة، ولقد منع تحقق المعرفة التي ابتدأت بالتأمل، إذ كرست خطيئة الحسد الجهل وانعدام التواصل مع الآخر ومع الذات وأجهضت في المقابل هذا التأمل.
3- الجشع: تبدى من خلال البيت المهجور، الذي تم خلاله تأمل مسار حياة السارد، والذي اتضح له فيه أن جشعه المادي الذي دفعه لمحاولات مراكمة الثروة، وبأي شكل من الأشكال، وأن جشعه النفسي المحكوم بكثرة الأحلام وبالجري المستميت لتحقيقها، قد أعاقاه عن التمتع بالمتاح وبراهن اللحظة التي انفلتت من بين يديه دون أن يلحظها. فلم يتسن له، وهو مأخوذ بالجشع الانفتاح على الحب؛ حب نفسه وأبنائه وزوجته وباقي أقرانه، إذ ظل كالنملة التي تكد وتشتغل وتحمل من الأعباء ما يفوق ثقلها دونما تمتع بالسماء والخضرة وخرير المياه… دونما تمتع بالحياة. فأدى به جشعه وجريه وراء ماديات الحياة إلى الموت وهو قيد الحياة، ولم يعِ خطيئته ويستيقظ من غفوته إلا بعد انفلات العمر.
4- الشهوة: تقابلها همس، دوكي وروز وعند الغروب، فاللذة الجنسية المتحققة دونما إشباع، واللذة الجنسية المغتصبة، والشهوة المكبوتة، تقتات كلها على الذات التي تتآكل وتهترئ من الداخل، وهي عاجزة عن إيقاف أزمنة اهترائها، إذا ليس بوسعها سوى الغوص عميقا في مستنقعها الذي يؤدي بها إلى الاختناق، ثم إلى الموت المجازي الذي تحياه كل لحظة، والذي تكتفي، وهي في خضمه، بتوهماتها واستيهاماتها كي تستمد منها قوة تواجه بها بؤسها وعجزها، وفقدان طاقتها وقدرتها على الفعل والتغيير والعمل. لأن الشهوة المحتجزة في اللاوعي تتغذى عليها ممتصة نسغ حياتها التي تذبل ثم تيبس كغصن وتتكسر.
وهكذا تموت مجازيا بالألم، وبحمى الانتقام، والحقد والكراهية، كما تموت الميتة نفسها بكثرة التأمل وبالحلم وذاك قبل موتها المتحقق بنفاد الأجل، أو بضغط على زناد قبل الأوان.
5- الطمع: تقابله ذهاب وإياب، مرايا الأحلام ووصيتان. وفي هذه المرايا نلاحظ كيف ولد الطمع التبلد العاطفي، وفكك الأسرة حين جعل الابن ينتظر موت أبيه ليرثه، وجعل الابنة تتمنى موت أبيها سريعا لتتمتع بأمواله، وكيف تموت، هي، بخطيئتها دون أن تبلغ غايتها.
ونلاحظ كيف تفسخت به العلاقات الإنسانية، فانتشر العنف والسلب والسرقة والتهجم على أملاك الغير وعدم احترام الحقوق وامتهان الجسد الذي صار بضاعة، فكان العقاب -العادل حسب المرايا- الحرمان من المال والممتلكات ومن الكتب ومن الكتابة، ثم الحرمان من الحياة، فليس مصير الطامع سوى الموت، وليس مآله سوى التراب.
6- الكسل: تقابله المرآة التي نجد فيها أن عاقبة الكسل هي الجريمة، واسترخاص الروح، وذلك لأن كسل السارد وتهاونه في أداء كرائه دفعه إلى قتل المكترية ودفنها في الجدار خلف المرآة التي كانت الشاهد الوحيد على الجرم. وفي فعل القتل استلهام لجريمة “دوستويفسكي” الذي قتل سارده المرابية بدافع من فلسفته التي أبانت عن فراغها، فلا مسوغ للقتل ولا تبرير له حتى بخطيئة الجشع.
ولعل هذا ما جعل السارد يتردى في الجحيم بجرمه، لأنه جرم أصله خطيئة الكسل. كما فيه استلهام لجريمة “إدغار ألان بو” الذي قتل القط الأسود وزوجته ودفنهما في الجدار. وهو الجدار ذاته الذي هده وحطمه سارد المرايا ليحرر نفسه، وربما باقي السراد الكسالى، من الجحيم الذي أفضي به إلى العدمية، وإلى تجريب نوع آخر من الموت؛ موت يتجرعه ببطء، وهو مستلق على سريره يعد الدقائق: إنه جحيم الجنون.
7- الغضب: يقابله نباح وعند الغروب اللذان يعلنان أن الغضب من الآخر، والغضب من الذات، والغضب من الطبيعي، الذي يحيا بحسب أصل خِلقته ومحاولة تبديله، عاقبته التيه عن الذات والتحول إلى قرينها: التحول إلى ما يخيفها، وجهها الآخر الذي هو الشيطان.
هذه الخطايا واجهها السارد في رحلته التي انتهت بوصوله إلى بيته المهجور الذي يعادل جبل الفرح عند دانتي، والذي ببلوغه استعاد اتزانه المفقود واستعاد نفسه التي ضيعها في المرايا، وهو يلهث وراء أحلامه وخطاياه التي جعلته يعوج كعكاز لا يعرف كيف يستقيم ليصير كعصا موسى؛ تجترح المستحيل وتجترح المعجزات وتحقق المآرب وتبقى اليد كالنفس، رغم ذلك، بيضاء لا شية فيها.
لقد تمكن الكاتب، من بين الخطايا ومن بين دوائر الجحيم، من أن يختط كوميديا الذات، التي ابتدأت بالمتاعب والأهوال: السرقة، الغربة، الموت، التحول والتيه، الاغتصاب، الفقر، المس بالكتابة… والتي انتهت بشكل جيد في النهاية، إذ انتهت بالعثور على الذات وسط ذواتها، وانتهت بالطمأنينة والسكينة التي تولدت من هذه اللقيا والمعرفة، كما تولدت من الاقتناع بعبثية الحلم دونما تقدير للحياة. وهي فضلا عن هذا العبور تضم نظرة خيالية فريدة استعانت بالصور والمجازات، وبالتناص مع سرود مختلفة (روسية، وإيطالية) وأساطير عربية وعالمية عن التحول وعن المستكلبين من البشر لتعرض نظرتها عن الذات في اختلافها وتعددها، الذي يشي به الظاهر المتحد والواحد. إنها نظرة خيالية عن الذات وظلالها التي تستمد سوادها وقوتها وامتداها من سواد الذات وبقعها المجهولة والمظلمة.
المرايا وبناء الذات والوجود:
إن حصر عدد المرايا في إحدى عشرة ليس حصرا عبثيا، فإذا تأملنا من جديد البناء وتصميمه وجدنا أنه يماثل دوائر الجحيم التسعة عند “دانتي”، وهذا إن استثنينا قصتي التأطير بالبدء وبالختام اللتين ضمتا باقي الدوائر وكانتا بدورهما جحيما وخلاصا. فقد حرص الكاتب على هذه المماثلة حين زود كونه السردي بمرآة للخلق والعبور، وهي مرآة البدء: مرآة الماء. وزوده بأخرى للانفلات وإيقاف الحلم الذي تبرعم في الداخل كما في الخارج وصار كابوسا. وما بين البدء والختام، رص بحنكة مرايا قابلة للكسر، وأخرى قابلة للاقتلاع أو الفقء، إذ هي عيون ترى وتحكي؛ فاضحة المستور، فاتحة أبواب الجحيم.
وأولى تلك المرايا: “مرايا الأحلام” التي انتثر منها الحكي كما الماء المرشوش (البول) فجاءت الحكايات منفصلة رغم أن أصلها واحد ورابطها واحد (التعدد والمسخ)، إذ تعددت وتولدت من بعضها بالانشطار، وتولدت بالتضمين، وتولدت بمدها الروابط والصلات مع بعضها رغم الانغلاق المفروض عليها في كون سردي أقفله الكاتب وعزله بالبيت المهجور الذي توقف فيه التمرئي، وتوقف فيه عذاب الجحيم، وتوقف عنده العويل، بعدما نضبت المرآة المائية التي سبق وأن رأى السارد على صفحتها الأزمنة تتعدد وتتداخل، ورأى الأمكنة تتمدد ثم تنكمش، ورأى وجهه ينعكس وجوها. ولكنها نضبت، فعجز بنضوبها عن استيلاد حيوات أخرى من حياته، ولم يستطع إيقاف تهشم المرايا التي تولدت من المرآة الأصل التي هي محض سائل: ماء أو بول.
إن بناء المرايا تشكل غير متناه، يستلهم اكتماله وكماله من الشخصية المحورية: من الكلب الكامل، الإنساني والمستكلب، الذي استدعى حكيا على هيئته: برأس وجذع وذيل، وبقوائم أربع لتحقيق الاتزان؛ الاتزان النفسي والعاطفي والحياتي الذي تتوق إليه الشخصيات، والاتزان المطلوب للتشكل اللانهائي للكون السردي الانعكاسي. وهو اتزان لا يتحقق إلا عبر أربع مرايا هي: مرآة اللاتناهي، ومرآة الازدواج أو التضاعف، ثم مرآة التعدد والكثرة، ومرآة المسخ والتحول.
مرايا، صيرت الكتابة والقراءة تحولا وفرحا بوجود ينبثق منه الوجود المفعم بالحيوية. وفرح بالوجه الذي يتأمل وجهه، ويقوى على تحمل ما سيراه على وجه وجهه، فيفرح لتحوله رغم ما يشوب هذا الفرح من حزن وتعاسة. إذ تعبر الذات القارئة المرآة، لتعيش حياة تنبع من الداخل الذي تضاعف وتعدد وفاض ليشكل وجودا كابوسيا مسوخيا تتحول فيه إلى ذات كاتبة. تتحول كما سبق وتحولت الشخصيات التي في المرايا إلى غيرها وتبادلت مع بعضها البعض الأدوار والمصائر، فوقعت بهذا التبادل والتحول فريسة للتناقض والازدواجية اللذين صيّراها، في الآن ذاته، نفسها وغيرها، آخرها وجحيمها.
ولقد فُرض هذا التحول على الشخصيات وعوقبت به ما إن استولت على أشياء غيرها أو قامت بسرقتها، أو اعتدت على سواها بالقتل، وكأنها بهذا الاستحواذ والاعتداء استحوذت على ظلال غيرها، فصارت ممسوسة بها وكأنها هي! وهكذا صار الأب ابنا بمجرد لمسه كتب ابنه، وأمسى الابن أبا ما إن آل إليه مال أبيه. واستحال السارق مسروقا يسرقه سارق يصير مسروقا، يصير سارقا… في صيرورة لامتناهية تؤدي إلى تبدل المكان والزمان والكائنات، فتدب الحياة في الجماد، ويتأنسن الحيوان، ويتوحش الإنسان لدرجة يصبح فيها قرينه كلبا أو خنزيرا، بل قد ينتهي به الأمر ليصبح مستكلبا يتواصل بالنباح مع أقرانه من الآدميين الذين سيصيرون مستكلبين، فيما يشبه دورة للتحول مهدت لظهور العالم المسوخي الذي ولجه السارد وباقي الشخصيات ما إن تبول الكلب الأول على النائم تحت شجرة تتماهى مع شجرة النكاح التي تحت فيئها رأى آدم وحواء عورتيهما. وبهذه الرؤية/المعرفة تعدد الخلق وصار لكل مخلوق قرين شيطاني وملائكي، وتضاعف الوجود الذي صار آخرة وبرزخا ودنيا.
إن التعدد الأول كان تحت الشجرة، والتعدد السردي الذي حاكاه كان هو الآخر تحت الشجرة مع اختلاف محفز التضاعف والتعدد من تفاحة قضمت إلى بول كلب؛ إذ يتقدم بول الكلب هنا كمرآة عضوية وحيوية تمسخ وتجعل المسوخ على هيئتها: مستكلبة وحيوية، بل إن فعل المسخ يتعدى مسخ الهيئة إلى مسخ الروح بالتأثير فيها وتغيير طباعها وجوهرها وماهيتها الأولى حيث تمنح الكلب روح الإنسان جاعلة منه تارة، صنوا للإنسان ورفيقا يتقاسم وإياه مصيرا وجوديا واحدا. وتارة، وصيا عليه أو روحا تعلوه وتتجاوزه كمالا واكتمالا.
ويتجاوز فعل المسخ الشخصيات ليمسخ الواقع الذي ينقسم بدوره إلى واقع أصلي وواقع يضاعفه، وواقع متعدد يعكس الواقع المضاعف. ويجعل في مقابله العالم المسوخي الهرمي الذي يجعل على قمته الكلب الإنسان، ووسطه الإنسان المستكلب، أما قاعدته فتتكون من الآدميين (غير الإنسيين)، وقد انعكس هذا التقسيم على الحكايات التي أخذت هيئة الكلب الكامل، والتي ابتدأت بماء وختمت بماء.
ونشير أخيرا، إلى أن ما أسلفناه ليس إلا أثرا خلفته فينا المرايا بعدما تجرأنا ووطئنا أمكنتها. وتجرأنا وتنفسنا هواءها، فترابطت في رؤانا واتحدت، وإن كانت في الأصل محض انفصال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى