أدبيات

المرآة الأنطولوجية في مرايا القاص المغربي سعيد رضواني


ذ. مجاهيد أمهناوي

مقدمة

“قصص”، هكذا اختار الكاتب سعيد رضواني الانتماء النوعي (النوع الأدبي) للنصوص السردية التي تشكل متن العمل الأدبي: مرايا. توحي الإشارة النوعية بالتشظي النصي وترسم أفقا للانتظار يختلف عن أفق قراءة الرواية. “قصص” قد تكون تلميحا للنص القرآني “نحن نقص عليك أحسن القصص”. إنها إذن دعوة إلى التدبر فيما وراء تعدد العوالم السردية لكل نص من نصوص المؤلف الأدبي. هذا الربط بين النصين الأدبي والقرآني ليس غريبا عن البناء التركيبي والدلالي لبعض الجمل الواردة في “مرايا الأحلام”: “عوالم لم ترها عين من قبل، ولا خطرت على عقل بشر غير مخدر” – “وكأن العالم اختفى أو كأن الوجود بكامله تحول إلى امرأة، امرأة واحدة لا شريكة لها”. النص يجذب القارئ إلى اقتحام عوالم أخرى: عالم الجنة وعوالم الجحيم. سيلبي النص هذا النداء عند مفتتح القصة السادسة: “نباح”. الكوميديا الإلهية وتيمة الجحيم: يا للمفارقة وياللسخرية !

بالإضافة إلى تعدد العوالم الزمكانية، نجد تعددا مذهلا للشخوص التي تنسج الأحداث. شخوص تنتمي إلى أنماط أنطولوجية مختلفة. لكن رغم الاختلاف، يظل التناظر، الانعكاس والتفاعل، قائما بين الكل: بين الفضاءات، بين الشخوص، بين التيمات، بين البنيات السردية المنعكس بعضها في بعض داخل نفس النص وخارجه. وهذا ما يبرر العنوان “مرايا” ويعطيه خصوبة دلالية وفلسفية عميقتين.

 الكاتب سعيد رضواني
الكاتب سعيد رضواني

في هذه الدراسة، سنحاول الإمساك بكينونة الأشخاص (الشخوص) عبر هذه الانعكاسات وعبر هذه التناظرات التي سيكون من السذاجة النظر إليها بوصفها مجرد لعب شكلي، أي الانجراف وراء الوهم الخادع لشكلانية جوفاء. لأن الشكلانية لم ينظر لها أصحابها إلا لتكون آليات وأدوات لاستنطاق النصوص والنفاذ الواعي إلى منطق المعنى.
سنتطرق في هذا المقال، أولا، لفن الرواية (السرد) والغاية من وجودها عبر عرض مقتضب لتصور الأديب التشيكي ميلان كونديرا للأدب. ثم سنتعرض لدراسة المرايا المذكورة في مرايا، إن على مستوى العوالم السردية أم على مستوى النص السردي ذاته. وسنحاول في الأخير أن نستشف الدلالة الفلسفية لهذا البناء النصي: كيف تساهم المرآة في الإمساك بالكينونة؟
السرد والكينونة
مقتبسا كلام هيرمان بروخHermann Broch ، يرى ميلان كونديراMilan Kundera أن علة وجود الرواية “هي اكتشاف ما يمكن للرواية وحدها أن تكتشفه”. مجال الاستكشاف؟ إنه الوجود الإنساني. من هذا المنطلق تصير الرواية بحثا حثيثا ومحاولة للإمساك بماهية الأنا: الأنا المنفلت دائما. يربط ميلان كونديرا ميلاد الرواية بالأزمنة الحديثة. وعكس ما ذهب إليه هايدجر وأستاذه هوسرل، يرى الأديب التشيكي أن تعميم مفهوم “نسيان الكينونةOubli de l’être- ” الذي انغمست فيه الميتافيزيقا والعلوم- على الإنتاج الفكري الحديث كله، هو تشخيص فكري لم يأخذ بعين الاعتبار كل الإنجازات التي قام بها فن الرواية من سيرفانتيس حتى كافكا، بروست، جيمس جويس…
إن فن الرواية، حسب ميلان كونديرا، قد انصب بالدراسة والتحليل على جميع التيمات الوجودية thèmes existentielsالتي تناولها هايدجر في كتابة الوجود والزمان. فالرواية قاربت السؤال الجوهري “ما الأنا؟” وحاولت الإجابة عنه تباعا عبر مفهوم الفعل الإنساني:action humaine الأنا هو مجموع الأفعال التي يقوم بها الشخص. ثم اتضح لها أن الفعل الإنساني لا يعبر عن جوهر الكينونة: ما الذي دفع أنا كارنينAnna Karénine إلى الانتحار برمي نفسها تحت عجلات القطار؟ أي منطق لاعقلاني أملى عليها بغتة هذا الاختيار؟ أي إمكانية للفعل تبقت لجوزيف ك.Joseph K في عالم تمت بقرطته bureaucratisé وتسييسهpolitisé بالكامل؟ شقت الرواية طريقا آخر: استكشاف العوالم الداخلية. ماذا تعني الكينونة في عالم يجرفه تيار التاريخ المتسارع؟ لم يعد ماضي الشخص كافيا لإضاءة حاضره. مع بروست Proust، حاولت الرواية الإمساك بجوهر الأنا عبر محاولة الإمساك بالزمن الضائع. ثم ما لبثت أن أرست منظارها، أو بالأولى ميكروفونها، على الزمن الحاضر وما يعتمل في النفس البشرية من أفكار واستيهامات وخطوط انفلات لا متناهية. من الواقعية السيكولوجيةpsychologisme وخاصية الاحتمال vraisemblance، اجتازت الرواية العتبة الفاصلة بين الواقع والحلم. فأصبح الحلم واقعا والواقع حلما؛ وصار من العسير رسم الخط الفاصل بين هذه العوالم.
هل تكفي حدود الأنا الزمانية والمكانية للإمساك به؟ هل يمكن للروائي أن يستشف منطقا معينا للكينونة بالاقتصار على حياة فرد معين؟ لم يعد ميلاد الفرد وموته، ولا حتى شجرة نسبه أو وسطه كافين لإضاءة معنى كينونته. وسعت الرواية مجال استكشافها، فصار الوجود الإنساني لا يكتسب دلالة وجودية إلا بتنضيد الحقب الزمنية. يتساءل كونديرا: هل بقي للدونخوانية Donjuanisme معنى في العصر الحالي؟ لقد صار دون خوانDon Juan مجمّع-نساء (collectionneur de femmes) بعد أن كان مصارعا شرسا للإله. ليست المرأة غاية دون خوان،إنما غايته المرأة -ذات- إله. بين دون خوان والمرأة، ينتصب الإله (إله الوصية الخامسة من الوصايا العشر: لا تزن أبدا) وعلى دون خوان أن ينتصر على المرأة مثلما فعل إدوار في قصة “إدوار والإله”.
يمكن تضييق مجال تطبيق هذا التنضيد للحقب الزمنية من جديد. عوض تحقيب زمني طويل الأمد يمكن الاقتصار على تحقيب يكتفي بخلق التناظر بين ثلاث حيوات على الأكثر: الجد- الأب- الابن، الأب-الابنة… يبدو أن هذا المنظورperspective هو الذي يشكل منطق السرد في مرايا. فهذا الاختيار الإستيطيقي يفرض على السرد نوعا من المعالجة التيماتية والسردية يصير فيها التكرار والانعكاس والمقارنة سبلا كفيله بإضاءة كينونة الذات.
مرايا: ليتني لم أكن…
كثيرة هي لعبة الانعكاسات داخل النصوص، أو بالأولى، إنها لامتناهية. تبتدئ المجموعة القصصية بــ”مرايا الأحلام”. وهي سلسلة لولبية لامتناهية من الأحلام-الواقع تذكر بصورة الأفعى الأسطورية أوروبوروسOuroboros وتنتهي بــ”البيت المهجور” يصول ويجول في أرجائه شخص عائد: هل هو شخص عائد أم طيف عائد؟ وبين هذين الطرفين، تحدث سلسلة من الوقائع نشهد من خلالها تبخرا للكينونة (فقدانها طابعها المادي). تتخلل هذه السلسة تيمات الموت والزمن والوحدة والتحول (المسخ والارتقاء). تدور الأحداث وكأننا نقرأ حكاية Conte أسماء الشخوص والأمكنة غائبة. يكتفي الكاتب بتحديدات نوعيةdéterminations génériques ( الأب، الابن، الجار، الكلب، الضيعة…) ولا تتوطن الأحداث جغرافيا إلا في لحظات نادرة (“وصيتان”، “مداعبة”). إنها حكاية-واقعية، لأن العوالم السردية لا تفقد فيها طابعها الاحتمالي vraisemblable رغم كونها تسبح في أجواء من الحلم.Registre onirique
أن تكون، معناه أن تملك. الملكية من محددات الوجود لأنها تربط الإنسان بالأرض، بالبلد، بالتاريخ. أن تسلب ما تملك، معناه أن يتم اجتثاث كينونتك من جذورها… كل هذا معروف، بل مبتذل. السؤال الوجودي الذي يطرح نفسه في “مرايا الأحلام” هو: كيف يمكن أن يفترض المرء “لنفسه عمرا وماضيا لا يحتمل وجودا سابقا يذكر”؟ ما علاقة هذا الافتراض بالملكية وكيف يمكن أن يفهم على ضوء مقولة السلب-الاستيلاء؟ أن تسلب إنسانا ملكه (الضيعة وما تستتبعه من فيلا وحديقة وسيارة…) يعني أن تقتطع خارطته الوجودية من جذورها، ثم تقوم بعد ذلك بعملية زرع وجوديةGreffe existentielle على خارطة وجودية أخرى. حينئذ يرى المسلوب نفسه شبحا سلبت روحه. يرى نفسه (ماهيته وماضيه) ينتقلان عنوة ويدمجان في الخارطة الوجودية لمن سلبه ملكه. يصير الوجود السابق للمسلوب افتراضا، ويصير الملك المسلوب واقعا يستلزم ماضيا مفترضا.
الاقتلاع من الأرض يستتبع اللاتوطنDéterritorialisation ، أي الهجرة هروبا من الشماتة والألم. لكن نداء العودة أكثر إلحاحا من نداء الهجرة. “لا بد” من العودة لاسترجاع ما سلب. هل يسترجع؟ الأرجح، لا. بل تستمر لعبة السلب فيصير السالب مسلوبا، والغني فقيرا متشردا يتبول عليه كلب من سلبه أملاكه. وهكذا إلى ما لانهاية.
“البيت المهجور”: العودة! يعود السارد إلى البيت الذي احتضن جزءا من حياته. فيرى نفسه منعكسا في صورتي أبيه وابنه. الندم والحسرة هما كل ماتبقى من حياته. يرتسم معنى الوجود أمام عينيه على شكل “عكاز معقوف” لم يعد يقوى على مزيد من الانتصاب. تلك هي دورة الحياة: أن تكون نملة ضعيفة، ثم طائرا محلقا. ثم ما يلبث نداء ثقل الكينونة Pesanteur de l’être ينادي ويعاكس قوة وحيوية التحليق والاندفاع. يهوي الطائر الكهل راسما عكازا معقوفا. فيرى الطائر نفسه نملة من جديد، أو بالأولى، دودة تدخل في دورة الحياة اللامتناهية. من أين يأتي اللاتناهي؟ من لعبة الحياة الساخرة: من هو الأب ومن هو أب-الأب ومن هو الابن؟ كل واحد منهم أب، وأب أب، وابن في نفس الوقت. ولكل واحد منهم أب وأب أب وابن. وهكذا إلى ما لانهاية.
قبل أن تختفي صورة نرسيس المنعكسة على سطح الماء في “البيت المهجور”، ينبئنا السارد في سياق آخر بهذا الاختفاء في “دمية السليكون”. يذكر هوس الجراح في علاقته بالمرأة، بهوس بيجماليون Pygmalionلكنه هوس معكوس منطقه. كلا الشخصين يمارس عملية نحت إستيطيقي على الجسد الأنثوي كي تتطابق صورة الاستيهام مع الواقع. لا يعلم بيجماليون أن ثمة مأساة، بل جريمة تنتظره: أن تبعث الحياة في ﮔالاتيGalathée معناه أن تطلق في كيانها عداد العد العكسي للحياة. مع مرور الوقت، يرى الجراح تحفته الفنية تضمحل وتذبل حتى تصير مومياء غادرتها الحياة. لكن قد يكون حظ الجراح أقل تعاسة من حظ بيجماليون. إنه على الأقل يؤنس وحدة زنزانته بصورة امرأة ليست من حجر.
إذا كان منطق الوجود هو أن يودع في النفوس الندم والحسرة والوحدة، فلماذا الحياة؟ ولماذا الكتابة؟ لماذا يكتب السارد موت الكتابة: “ويمحو بقلمه من اليسار إلى اليمين، ومن الأسفل إلى الأعلى ما كتبته، أنا، بلغة الضاد، من اليمين إلى اليسار ومن الأعلى إلى الأسفل، من حروف وكلمات، من جمل وفقرات، منها تشكل ذلك الموت، تلك الحياة الجديدة، التي منها نسجت هذه القصة”؟ قبل كتابة قصة موت الكتابة، يكتب السارد قصة أخرى: قصة كيف تكتب الكتابة قصة موت الحياة. بالإضافة إلى الخاصية التكرارية لبعض المقاطع النصية (حتى ليخيل للقارئ أن ثمة خطأ مطبعي)، يمتاز السرد بخاصية التنضيد والتناظر. تنعكس العوالم والأشياء، ويصل صداها إلى الكلمات. فتضطر هي أيضا إلى الانعكاس فيما تحكيه. عندئذ يدرك الإنسان أن الزمان ليس سوى تمطيط مبتذل وساخر للحياة.
تصير الحياة مثل نابض شُد طرفاه إلى طرفي الميلاد والموت. يبدو العمر مديدا، لكن معناه الحقيقي لا يستشف إلا بضغط الزمان، أو ربما بإلغائه. تقريب لحظات الحياة والموت من بعضهما يعيد النابض إلى وضعه الأصلي. تكتسب الحياة كل قوتها وشدتها. لكن كيف نضغط الزمان؟ تقنية التناظر والتنضيد تلغي الكرونولوجياChronologie ، وتجعل الحيوات مثل تشكلات كتابية Configurations scripturales لطرس الكينونة: بعضها فوق بعض، دون اعتبار لخاصية التعاقب.
لا يكتفي الكاتب بضغط أو إلغاء الزمان. وإنما يبلغ به الأمر حد التحدي لمنطقه: منطق كرونوسCronos الذي لا يرحم، منطق الموت. “أحسست بيقظة، بيقظة في يقظة، ولا شيء آخر غير اليقظة، وكأنما أصابت يقظتي الرهيبة المتوفى بعدوى غريبة جعلت صفرة وجهه الشاحب تتبخر، وحمرته تعود، وقلبه ينبض، ودماءه تجري من جديد، وعينيه تنفتحان”. بهذه الحالة الوجودية الغريبة يبدأ منطق عكس زمانية الزمان. تتقهقر النهاية نحو البداية وهي تطوي الوجود “كطي السجل للكتاب” وتصير المرارة أمنية، وتصير أمنية “ليتني لم أكن” حقيقة.
المرآة الأنطولوجية
قبل أن تصير الأمنية حقيقة على مستوى الكتابة، تمر الحياة بسلسلة من التغيرات والتحولات سنحاول من خلالها أن نستخرج “الفرضية الأنطولوجية” للكاتب، كما يقول ميلان كونديرا. يبدأ كونديرا محاولته النقدية فن الرواية (فن السرد) بنقد فيلسوفي الفينومينولوجيا هوسرلHusserl وهايدجرHeidegger فيرى هذا الأديب أن ما يسمى “نسيان الكينونة” ناتج عن إغفال إسهام فن الرواية في المغامرة الفكرية للعصور الحديثة. إذا كان هايدجر قد انطلق من الوجود الإنساني “الدازاينDasein ” باعتباره موجودا فريدا لكون كينونته مرتبطة بالسؤال والتساؤل عن الوجود، فإن الإنسان ليس الكائن الوحيد الذي لديه إقامة خاصة في الوجود وعلاقة خاصة بالموجود. صحيح أن اللغة، التي هي محل إقامة الوجود Demeure de l’être، تظل لصيقة بالإنسان ومميزة له لكونها تشكل تجليا موضوعيا (خارج الذات) لسؤال الكينونة. لكن اللغة المتمفصلةLangage articulé تصطدم هي نفسها بتجربة الحدودExpérience des limites عندها تصير اللغة حديثا ومحاولة للإمساك بما لا يمكن الإمساك به وإيداعه مأوى الوجود: “نباح”.
هل يمكن الاستغناء عن اللغة؟ لا يمكن التعالي على اللغة أو تجاوزها، ولا يمكن الحديث عن قصورها إلا بها وفيها. من هذا المنطلق نطرح السؤال التالي: كيف يمكن مقاربة “الأنا” -أي هذا الكائن الفريد الذي هو الإنسان- من خلال زاوية نظر أنطولوجية مغايرة؟ إذا حاولت الرواية كما يقول كونديرا أن تجيب عن السؤال: ما الأنا؟ بالاعتماد على الفعل الانساني، الزمن، الواقع، الحلم، المعقول واللامعقول، إلخ. فإن كل هذه المقولات تبقى مشروطة بمقولات “تحليلية الدازاينAnalytique du .dasein الإنسان). لكن، هل الإنسان وحده من يحق له أن يستأثر بلقب “الدازاين”؟ يرى ديريدا Derridaأن هذا هو جانب القصور في فكر هايدجر الذي لم يؤسس لأنطولوجيا الحيوان. هل للموت (الفناء، الزمان) نفس المعنى بالنسبة للإنسان وللحيوان؟
تطرح كل هذه الأسئلة مع المؤلف الأدبي للكاتب سعيد رضواني، لأن النص الأدبي ينطوي على مرآة غريبة تشكل أصالته وتندرج ضمن هذه الإشكالات الفلسفية. سنطلق على هذه المرآة اسم: المرآة الأنطولوجية. إنها مرآة تحاول أن تمسك بدازاين–الإنسان عبر انعكاسه وتفاعله مع دازاين–الكلب.
متنوعة هي صور الكلب داخل المتن السردي لمرايا. أكثرها ألفة هي صورة الكلب الذي يتبول على المتشرد المسلوب في “مرايا الأحلام”، وأكثرها ترهيبا هي تلك التي يأخذ فيها الكلب صورة الوحش الأسطوري سيربيرCerbère “دمية السليكون” و”عند الغروب”. وبين هاتين الصورتين صورة الكلب الذي يمارس الجنس على الكلب-الذكر “جوبا” (“عند الغروب”). يمكن أن نربط هذه الصور الثلات تباعا بفقدان الكرامة، بالموت والمسخ. صورة الكلب الأشعث هي أقبح تجليات الكلب في النص، وهي تستحيل وفق منطق النص إلى صورة خنزير (رجل أشعت): أقبح حيوان على الإطلاق حسب الجاحظ.
لا يكتفي النص بهذه الصور، إنما يؤسس لكلبية Cynisme يمكن أن نسميها كلبية الصدق والحشمة والوفاء. إذا كان الفيلسوف ديوجينDiogène قد اختار لنفسه نمط عيش الكلاب، فإن المتن السردي لمرايا لا يذهب هذه الوجهة الاستفزازية الوقحة. هذا لا يعني أن ديوجين كان يبتغيى الكلبية في حد ذاتها: كان هدفه الاستفزاز من أجل الاستفزاز والتساؤل للارتقاء بأخلاق البشر وتفكيرهم. الكلبية التي يؤسس لها النص كلبية علائقية، ومن هنا خاصيتها المرآتيةSpéculaire تنسج العلاقات بين الذوات على عدة مستويات تشكل صورة الكلب المرآة–المعيار (بالمعنى الأنطولوجي) التي عليها يقاس مدى التوافق والانزياح الوجوديين.
يقلب السارد منطق البشر عن الموجودات وخصوصا عن الكلب. فإذا كان ينظر إلى هذا الأخير على أن ما يتفرد به هو حاسة الشم، فإن هذه الخاصية لا تميزه في النص (هي خاصة بالشخوص الآدمية). إن ما يميزه في “همس” خصوصا هو خاصية النظر. كثيرا ما تتردد عبارة: “عينا إنسان”. يمكن لذهن القارئ أن يتجه صوب الزوفيليا Zoophilieلأن عناصر النص توحي بذلك. ومع ذلك فإننا نعتقد أن الكلب في هذا النص هو رسول الحب إيروسÉros إنه رسول النداء الذي يوجهه سليمان لمحبوبته في ما وراء العوالم والفوارق الاجتماعية. إنه النداء الذي تراه المرأة منعكسا في عيني الكلب فتلبيه بعدّ الزمان: “التفتت تجاه الساعة الحائطية، حملقت في عقاربها قليلا، ثم أخذت وجبينها ينضح بالعرق تقترب بخطى بطيئة من الكلب وهي تفكر ‘لا تزال ساعتان قبل حلول المساء'”.
تتجلى غرابة الوضع البشري عندما نرى كيف أن الأب-الصياد يلاحق الكلاب قصد الاغتناء فيما تلاحقه ابنته الناقمة عليه والتي تتمنى موته. هل تريد أن يموت لأنها تريد ثروته أم لأنها تحنو على الكلاب المسكينة؟ نعلم أنها لم تكتب الوصية لكلبها إلا بعد أن باغتها الموت. موت يقول عنه السارد- الشاهد (وربما الناقم، لأنه فقير) بسخرية إنه لم يمهلها حتى تستنفذ كل ثروتها. أين تتبدى الغرابة في هذا الوضع؟ كلب الأب ظل وفيا لصاحبه وعيناه تعكسان حزنا عميقا على فراق من قتل أمه! وفاء الكلب وصفحه مقابل حقد وضغينة الابنة تجاه أبيها!
بينما ينسجم الكلبان في “مداعبة” توحي بألفة أبدية، تتعمق الهوة السحيقة بين البشر. أحدهما يوجد قبالة الآخر. بضع خطوات نحو بعضهما البعض كافية لردمها. لكن جدار الحضارة السميك الذي تغذيه الذاكرة والذي يعكسه الواقع اللامتوازن للحضارتين، يزداد سماكة وعتمة وابتعادا حتى تصير المسافة القصيرة بين الشخوص مسافة ضوئية. ويفرض السؤال نفسه: لماذا يأنس الحيوان لبني جنسه بينما يتنافر البشر؟
كم هي مريرة الحياة! وكم هي مؤلمة! في منزلة بين السماء والأرض وفي عتمة الليل البهيم، في عزلة تامة ووسط جدران عارية كصاحبها، تتعالى صرخة الألم مدوية في صمتها. تنبعث الكلمة مرفوقة بالمعنى، ثم يختفي المعنى وتضمحل كلمات اللغة المتمفصلة. تصير الكلمة صرخة، والصرخة نباحا. كم هو صادق نباح الكلب! كم هو صادق إلى درجة تكثيف الكينونة في هذا الصوت الخاص: “شعر بانتشاء جراء تحليله لهذا النباح، ورأى أنه خطا خطوة خارقة إذ استطاع عبر الصوت، ولا شيء آخر غير الصوت، أن يعرف تفاصيل عديدة عن هذا الكلب الذي لم يره قط، وعبر هذا الصوت فقط تمكن من رؤية هزاله، وتحديد سنه، ولونه، وصنفه، بل وحتى المحيط الكئيب الذي يعيش فيه”.
في عالم مظلم تختفي فيه الألوان (ما نفعها؟) والأشكال (ما قيمتها؟) وتتعرى الجدران (ما الجدوى من زينتها؟)، يرتقي الإنسان مبتعدا عن الأرض. وبين السماء المظلمة والأرض الحالكة، ينبعث نباح كله ألم. نباح معمم تختفي فيه الكلاب ولا يبقى سوى صرخات ألم المستنبحين.
خاتمة:
لقد حاول الكاتب سعيد رضواني أن يتقصى عملية موت الواقع أو ارتفاعه عبر سلسلة متنوعة من المواقف الوجودية. هذا التنوع في العوالم السردية يقابله تنوع في التقنيات المستعملة لمحاولة الإمساك بهذه الدوامة التي تصيب الكائن بالدوار. في عالم تسود فيه الوحدة الموحشة، تنغمس الذات في هوة العوالم الداخلية التي لا قرار لها. تتناسل السيناريوهات، تتوالى الاستيهامات، تتعاقب الذكريات، تحتد الأسئلة، فيرتفع الواقع الذي توجد فيه الشخوص. عند هذه المنطقة البرزخية الهلامية، تتلاشى كل الخطوط التي ترسم حدود الواقع واللاواقع، حدود الحقيقة والحلم. تسبح العوالم السردية في جو جحيمي تكتم فيه صرخات الألم المدوية. صرخات ألم تصير نباحا معمما لا يسمعه أحد. إنه كابوس الحياة. يستبد الدوار بالذوات فتتيه في متاهة وجودية لولبية كأنما تتلاعب بها دوامة العذاب الإلهي كما يصفها دانتيDante في الكوميديا الإلهية. يمكن القول إن “مرايا” هي في نفس الوقت كوميديا إلهية في قالب الرواية الجديدة.
عوالم تختفي فيها مادية الأشياء والشخوص، فتصير الحياة -كما في عالم كافكا أو بورخيس- حلما، بل كابوسا تتعذب فيه النفوس. عند هذه العتبة الوجودية، يمكن ربما أن تنعطف تحليلية الدازاين. ما قيمة الفناء كقلق وجودي أمام تجربة الألم؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى