ثقافيةمقالات رأيوطنية

“دكاترة”.. آخر الزمن

حمادي الغاري

 

يقول المثل المغربي:”حيث تكون النار يكون الدخان”؛ بعبارة أخرى“لا دخان بدون نار”.

الدخان انبعث من “جامعة عبد المالك السعدي” بتطوان، ولا يمكن أن يأتي دخان من فراغ، كما لا يمكن أن تندلع نار من ذاتيتها. لا بد من فِعْل فاعل. ومن القواعد الأساسية للحياة أن الطبيعة لا تحب الفراغ.

دخان هذه النار الجامعية غطّى فضاء التراب المغربي، وظهر لنا من خلال الدخان الكثيف للنار المستعرة، البَوْنُ الشاسع بين جامعة الأمس وجامعة اليوم؛ بين جامعة واحدة وحيدة في هذا البلد الآمن ، هي جامعة محمد الخامس التي كان فيها أساتذة من العيار الثقيل، يعطون المثَل الحي لطلبتهم، وللرأي العام، على النزاهة الفكرية والاستقامة العلمية؛ بين جامعة تدخلها وكأنك داخِل لمكان مقدس يفرض عليك الخشوع وقدْر غير قليل من الرهبة، وكثير من الفرحة، لأن الحظ، أو القَدَر، أسعفك أن ترى وتتلمذ على دكاترة عمالقة من عيار محمد عابد الجابري ، محمد جسوس، محمد عزيزالحبابي، عبد الله العروي ، سامي النشار، فاطمة المرنيسي، المهدي بنعبود، أحمد الخمليشي، نبيل الشهابي، عبد الرزاق الدواي، علي أومليل، إبراهيم بوعلو، أحمد السطاتي، سعيد بنسعيد ، عبد الله ساعف ، محمد سبيلا، بنسالم حميش و…و… دكاترة بحق وحقيق، يُقَام لهم ويُقْعَد .. في زمن كان الطالب لن يحرز على شهادة الدكتورة إلا بعد أن يعرق وينشف..وفرائصه ترتعد أمام هذه القامات.

كم كنا مخدوعين و”على نياتنا” ونحن نضع ثقتنا الكاملة، في هذا الكمِّ من الدكاترة الذين ـ ويا للعجب !ـ يصرون على أن يُظْهِروا لك ويُفْهِمُوك أنهم دكاترة.. وهم يعلمون عِلم اليقين أنهم اشتروا تلك الشهادة، بدراهم معدودة؛ وبها يحتلون، ظلما وعدوانا، مواقع آخرين من الأساتذة المجدّين الجيِّدين.. لتظهر لنا حقيقة ما يجري في الجامعة المغربية التي لم تعد تلك المؤسسة التي”تخلع”، والتي كان لإسمها رنين قوي، وصدى أطيب لدى عامة القوم وهم يتحدثون عن طالب عادي، أو يشيرون إليه بالبنان، ويقولون فيما بينهم إعجابا وتقديرا : ” تَيَقْرا في الجامعة “..

كيف يمكن أن تقنع، اليوم ، مواطنا عاديا بقيمة الجامعة وقيمة شهاداتها وقيمة دكاترتها وهو يردد على مسامعك: “الشهادات أصبحت تُباع مثل أدوات الخردة في الجوطية..”!؟ كيف تقنع طالبا بأهمية استئناف دراسته الجامعية.. وهو يردد أمامك: “الجامعة فيها كل شيء إلا الدراسة والعِلم..”؟! قبل أن يضيف باستهزاء:”لم تبق هناك جامعة!”.

عشنا حتى أصبحنا نسمع أن الأستاذ “الدكتور” يساوم في منح النقط للطلبة أو الأساتذة.. ويعمل وسيطا في منح الشهادة، بملايين الدراهم، لمن يريد أن يصبح “دكتورا” بين عشية وضحاها؛ والمصيبة أفظع مع الطالبة التي يضعها أستاذها “الدكتور” أمام الأمر الواقع: النقطة في مقابل الجنس !!!! ناهيك أن عددا غير قليل من هؤلاء “الدكاترة” لا يكلفون أنفسهم عناء القيام بمهمتهم العلمية، ويقتصرون على عرض / فرض منشوراتهم ومطبوعاتهم على طلبتهم لاقتنائها !!!

عشنا لنسمع ونرى ونقرأ لبعض”الدكاترة” كتابات قُلْ فيها أو عنها ما شئت إلا تكون كتابة: دكاترة لا يميزون بين التاء والثاء والدال والذال؛ دكاترة يكتبون”المعاناة” هكذا: “المعانات”، ونفس الأمر ينطبق على كلمة”اللامبالاة ..والملاءَمة التي تصبح “الملائمة”..ويزداد التعجب حين تقرأ مقالاتهم بدون نقط ولا فواصل.. أما النقط الفاصلة، ونقط الحذف، وعلامات الاستفهام والتعجب… ففتِّش عنها في ركن “البحث عن متغيبين”، ناهيك عن الركاكة في الأسلوب والتركيب والغموض وبداية الجملة بأداة الشرط وابحث أنت عن جواب الشرط.. والنصب والرفع والجزم .. في غير محله ..وقِسْ على ذلك.

نتساءل بكل سذاجة: “ألم يكن رؤساء الجامعات وعمداء الكليات وكل الوزراء الذين تعاقبوا على كرسي التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، على عِلم بهذه الفظاعات؟ ألم يَبلُغهم قط شيء من هذه الفاضحات؟ ألم يكونوا على بيّنة كيف أصبح هذا دكتورا وذاك عميدا والآخر رئيسا أو مديرا لمدرسة عليا أو كلية أو جامعة ؟ ألم يتناهى إلى عِلمهم أن كل شيء أصبح قابلا للبيع من النقط إلى الدبلومات إلى المناصب ؟ ألم ينتبه كل مسؤول عن هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي: لماذا أصبحت جامعاتنا تحتل درجات غير جيدة؟ وما السر في تدهور البحث العلمي؟ وفي ضعف المستوى بالمؤسسات الجامعية؟

 هل أصبحت المطالبة بالزيادة في الأجور والتعويضات، وتسلّق السلاليم، والبحث عن الامتيازات والتعيينات واحتلال المواقع بأي ثمن.. هو الهدف والمسعى لدى أساتذة ودكاترة آخر الزمن..؟؟

هل يفكر فيك أحد ياوطني.. في عزّتك وكرامتك ورقيّك وازدهارك..وحمايتك ؟ أم أننا لم نعد  نسمع إلأ مِن طالبٍ في ازدياد.. كما قال الشاعر؟!

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. الدخان الأبيض في جامعة عبد المالك السعدي يعني أن هذا الدخان هو دليل انهيار التعليم العالي في المغرب كله وتلك الممارسات عمت الحرم الجامعي بنسب متفاوتة منذ زمان بداية التدمير!

    1. الصديق مشروحي..
      أنت أدرى بما في هذا المستنقع الجامعي الذي لا يمكن أن يخرج من غاص في قعره ..سالما ،سليما.
      تحياتي.

  2. مقال في الصميم. ويبقى هناك سؤال كبير جدا ألا وهو ما موقع المثقفين المغاربة من كل هذا؟ لماذا هم صامتون حيال هذا الغش الذي يخرب الجامعة وينخر صرح البناء المعرفي من أساس بنائه؟ لماذا يصر المثقفون المغاربة على النأي بأنفسهم عن هذا الموضوع الخطير جدا؟ ألا يجد جامعيو الأمس في داخلهم غيرة على مؤسسة درجوا فيها على جني المعارف والعلوم وأعطتهم قيمة مضافة لشخصهم؟ ألا يغضبون أن تعبث بتلك القيمة أيد ملطخة بالرشوة تحط من قيمة الشهادات التي كابدوا بالأمس القريب من أجل الحصول عليها؟
    إنها مسؤوليتنا جميعا وإنها معركة البقاء أو الفناء داخل معترك التنافس العلمي والمعرفي بين الأمم. فإما أن تكون جامعتنا مصدر إشعاع فكري فتعيش بها سمعة الطالب المغربي مستقبلا وإما هو مستنقع الرداءة سيلطخ صورة الطالب المغربي خارج الوطن. وللغيورين على وطنهم ألقي نداء الاستغاثة فهل من مجيب؟

    1. هي مسؤوليتنا جميعا : مثقفون ،سياسيون ،نقابيون، جمعيات، آباء وأمهات…
      الكل معني بما وصلت إليه مؤسساتنا التعليمية ، من الابتدائي إلى الجامعي..لا عذر ولا تبرير لأي تقاعس.. وإلا ،فهذا بداية الطوفان ،ولا عاصم منه لأحد..
      مودتي أستاذ سي مجمد مهدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى